تكتشف في ثنايا الإجازات الدورية المعتادة مثل إجازة العيد أن ميزان الجيب والأعصاب يميل إلى مصلحة الخسارة الفادحة، فتتحول الإجازة، عكس كل متعة خلقها الله، إلى كابوس لا يزول إلا بالعودة إلى العمل. أبسط خسائري وأسهلها على المستوى الشخصي أن البنوك في الإجازات تحولني إلى مواطن برتبة شحاذ، وأنا أتسول حتى العمالة المنزلية كي تقرضني ما عجزت عنه مكائن الصرف الآلي التي برهنت أن هذه البنوك تفتقد أبسط أنواع الرقابة. ومن المفارقة أن البنك يفرض ضريبته إذا انكشف حسابي وسحبت منه ما يفوق الموجود، وفي المقابل لا يعطيني أبسط حقوقي وهو يحولني إلى متسول بينما هو يتاجر بحسابات الناس بفارق الساعة والدقيقة.

تلعب مواسم الإجازات بأعصاب آلاف الأسر التي تذرع في نهاياتها هذه الأطراف المترامية من خريطة الوطن. تنعدم الثقة في الناقل الجوي الوطني، وتبدأ مواسم الجشع في شركات نقل السيارات التي ضاعفت رسومها إلى ثلاثة أضعاف في ظرف ثلاث سنوات، رغم أن وقود الديزل صار فيها بنصف القيمة.

لا جديد يذكر في مطاراتنا ولا في حجم أسطولنا منذ ثلاثين سنة رغم أننا مررنا خلال الفترة بطفرتين، وزاد عدد السكان إلى الضعفين، ومع هذا ما زالت اللجان الموقرة تنتظر فتح مظاريف الشركات التي تقدمت بعروضها للنقل الجوي الداخلي، ومنذ ثلاث سنوات بالضبط. لا أعلم كيف ضاعت تلك ـ السكين ـ المكتبية التي عادة ما تفتح بها المظاريف، مثلما لا أعلم كيف يصعب على إمكاناتنا الهائلة أن تشتري طيارة إضافية رغم أن بيننا من اشترى مجرد ثلاث نياق في مهرجان المزايين بما يقرب من قيمة طائرة، وبالكاش اشتراها في ظرف خمس دقائق.

كل شيء في الإجازات يبدو بلا رقابة: البنوك التي تنام في العسل، البلديات التي تركت مئات اللصوص يسرقون الأراضي العامة بالتسوير ووضع اليد في مجرد أسبوع، الأسواق التي ابتزت حسابات آلاف الأسر لتتركها على دفاتر الحساب في البقالة حتى نهاية الشهر. الناقل الذي صار الحصول به على مقعد أقرب إلى منحة وإكرامية. استراحات الطرق الطويلة ونزلها الرديئة التي تعاملنا كشعب مؤقت جاهز للتقبيل.

باختصار نحن بعد اليوم لا نريد إجازة.