يطلق لفظ "الحضارة" على نمط الحياة الأكثر سهولة، وغالباً ما يرتبط هذا اللفظ بالإنجازات المادية التي لها دور مباشر في خدمة الإنسان وتسيير سبل حياته؛ إلا أن النمط السريع لحياتنا المعاصرة وتقنياتها المعقدة قد خلق وليداً جديداً خلال العقدين الماضيين بات يُعرف بـ(civilizaton digital) أي الحضارة الرقمية.

وباتت هذه الحضارة الجديدة أمراً واقعاً وفاعلاً بقوة في حياتنا اليومية، في كل ما يتعلق بعمليات التواصل العقلي سواء بين الآلة والإنسان أو الآلة والآلة، وكذلك بين إنسان وآخر عبر الآلة، وكل ذلك يتم من خلال وسائل اتصال تعتمد كلياً على أجهزة الكمبيوتر التي في منازلنا ومكاتبنا أو تلك المحمولة في أيدينا وفي جيوبنا أيضاً، فكل هذه الأشياء أصبحت جزءاً منا رغم أننا لم نصنعها، ولم نشارك في صنعها، ولا أظن أننا سوف نسهم من خلالها في بناء هذه الحضارة الإنسانية؛ لسبب بسيط هو أننا مستهلكون لها لا أكثر، نستخدمها كوسائط للتقوقع على ذواتنا، وللتعبير عن معضلاتنا، بل أحياناً ربما ننقل من خلالها تخلفنا إلى العالم الآخر.

لقد ألمح المخترع الأميركي (ستيف جوبز، 2004) إلى هذه الحضارة الرقمية الحديثة وعلاقتها بالعقل-وبالتالي بالعقلانية- من خلال قوله: "نحن لا نعتقد أنه سيكون هناك اندماج بين صناعة التلفزيونات وصناعة أجهزة الكمبيوتر، فنحن نعتقد في الأساس أنك تشاهد التلفزيون لتعطّل عقلك، وتعمل على الكمبيوتر عندما تريد أن تُعمِل عقلك"!

إلا أن وجود الحضارة الرقمية في أيدينا لا يعني وجودها داخلنا، أي لا يعني ذلك تفاعلنا الإيجابي معها، بل إنها أصبحت مرآة تعكس مقدار التخلف الاجتماعي الذي يفصلنا فعلياً عن الحضارة الحديثة، حيث يحاول البعض استخدامها لتعطيل العقل وقمع التفكير وتضيـيق مساحة حرية الرأي.

للمعلوماتية ووسائلها وتقنياتها عظيم الأثر على الفرد في عصر العولمة الذي نعيشه اليوم، وعلى المجتمع وخاصةً على الصعيد الثقافي والإعلامي إذ أصبح لها دور بارز في تشكيل وصياغة الرأي العام، غير أننا نكون خارج الإطار العلمي والعولمي والإنساني إذا ما بقينا جامدين متشددين منغلقين على قضايا تجاوزتها الحضارة، والأدهى من ذلك وأمرّ هو أن الأمر ليس متوقفاً عند هذا التشدد والانغلاق بل هناك نكوص إلى الخلف حيث الأوهام وعدم الوثوقـية، إذ اعتقَد بعضنا أننا في طور تجاوزها قبل سنوات قليلة، لكن الأمر لم يكن كذلك حيث اتسع الشق على الراقع، واتضح أننا إذا ما أردنا أن نكون مندمجين في هذه الحضارة يفترض أن نكون جزءاً من قيمها، فالـعالم اليوم لا يعيش تناقضاً أو ازدواجية حضارية كما تعيـشها أجزاء مـن العالم العربي ما زالت خارج القيم العظمى للحضارة الحديثة، ففي العالم الغربي لا توجد تناقضات كبيرة بين حضارته الرقمية وحضارته التاريخية التي يجسدها الواقع المُعاش، فسقف الحريات العامة للأفراد والمجتمعات بدأ يتسع شاملاً خارطة العالم التي لم يتبقَ منها سوى أجزاء قليلة هي بحاجة لمزيد من الزمن لتغيير القناعات.. ويبدو أن السنوات القليلة القادمة ستضعنا على المحك الحقيقي أمام خيار وحيد هو "العقلانية"، فإذا لم نستعد لهذا الخيار فلن يكون في أيدينا خيارات أخرى، بل سنكون خارج هذا العالم الذي تتطور حضارته تقنياً وإنسانياً ونحن بعيدون عن هذا التطور، إذ من غير المنطقي أن تدرك المجتمعات شيئاً من المصير المتوقع لهذا العالم وبالتالي من غير المنطقي أن يكون الناس أعداء ما علِموا.

إن التطور الحضاري مرتبط تماماً بالعلم، والعلم مرتبط بالعقل، والعقل صار مرتبطاً اليوم بكثير من المحفزات التقنية التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومن حسن حظ عالمنا العربي أنه واقع جغرافياً في قلب العالم القديم حيث مركز الثروة الطبيعية التي تمد بقية العالم الأول بالطاقة للاستمرار في صنع هذه الحضارة، إلا أن الذي يجب أنْ نعرفه هو أنّ العالم الأول ليس عالماً غبياً.. فهو ما زال يثابر ليتخلى عن ارتباطه بأرض العـالم القديم، فلا أحد يودُّ أن يبقى رهينة إلى الأبد؛ وهنا يحتاج سكان العالم القديم الانخراط في العقلانية عبر هذه الحضارة الرقمية التي هي أهم ما تم إنجازه، وهي إحدى وسائل الإسهام في صناعة عالم عـقلاني تسـوده قيمٌ إنسـانية فعلية، ولكن إذا ما عجز العالم الثالث عن استقطاب القوة الكافية للإسهام في تعمير هذا العالم.. يبقى أمامه خيار وحيد هو عدم تدميره!