في هذه الأيام نسمع كثيرا عن التخطيط الاستراتيجي، والخطط الاستراتيجية، ويتردد على مسامعنا هذا المفهوم بشكل أكبر عنه في الأعوام الماضية، وهو مفهوم يشمل مكونين أساسيين: الجانب الأول يشمل التخطيط بمفهومه الشـامل، والجانب الآخر يركز على البعد الاستراتيجي، وحقيقة الأمر أن أي عمل لا يـسبقه تخطيط ناجح لا يخلو من العشوائية، والوقوع في الأخطاء، ومن ثم الفشل، أو الإخـفاق؛ فيجب أن يُبنى التخطيط على أسس علمية واقعية لكي يضمن قدرا كبيرا من النجاح في أثناء مراحل التنفيذ، ويعمل على حل العديد من المشكلات، كما أن التخطيط يشمل مجموعة من الإجراءات أو العمليات التي يقوم بها مجموعة من الأفراد، أو مجموعات من المتخصصين وفق آليات وخطوات محددة لمعرفة واقع المؤسسة، وتحليله، والخروج بمجموعة من الأهداف التي تشكل خارطة طريق واضحة ومحددة لتطوير هذا القطاع ووحداته؛ فالتخطيط عبارة عن تقييم للواقع واستشراف للمستقبل، وتحديد للأهداف، واختيار للأساليب، وللطرائق وللآليات التي مـن خـلالها يتم تحقيق الأهداف لهذه المؤسسة، أو القطاع، والجانب الاستراتيـجي يركز على أن التخـطيط يشمل عدة عمليات استراتيجية تضمن الاخـتيار المـناسب والأفضل لإجراءات التنفيذ استجابة للظروف الواقعية وفق أولويات واضـحة ومحددة، وينتج عن ذلك مشروعات محددة تعد أولويات هذه المؤسسة، ويجب تنفيذها، كما يتطلب ذلك مشاركة جميع العاملين في هذه المؤسسة والمستفيدين منها، وأفراد المجتمع، ويتيح التخطيط الاستراتيجي الفرصة للمسؤولين في أي مؤسسة لصنع العديد من الخيارات الضرورية لتجويد آليات العمل وعملياته، وللرقي بكفاءة المنتج النهائي لها.
التخطيط الاستراتيجي يتم توظيفه أيضا في الجانب القيادي لأنه يركز على مدى قيام المؤسسة، أو الإدارة بالعمل الصحيح، وكأداة إدارية لأنه يركز على مدى قيام المؤسسة بأعمالها بشكل صحيح، وبذلك فالتخطيط الاستراتيجي يساعد على إعداد منظور مستقبلي للمؤسسة يوجه نشاطاتها المختلفة بما يحقق رؤيتها ورسالتها، وأهدافها، والتخطيط الاستراتيجي يساعد على التنبؤ بمستقبل المؤسسة، أو القطاع، ويسهل عملية التعامل الأمثل، والأكثر فاعلية مع المتغيرات المختلفة، ويعمل على التعرف على الواقع الفعلي للمؤسسة، وإمكاناتها، والمتوقع منها حسب الأولويات، كما أنه يسهم في تحقيق نمو المؤسسة، وتطورها وفق اتجاهات واضحة، ووفق آليات محددة، ويعمل على تحسين صنع القرار في المؤسسة، وتطوير بيئة العمل، ويوفر قاعدة بيانات حديثة ودقيقة للمؤسسة، وهذه البيانات تعمل كإطار مرجعي للتطوير، والخطط الإجرائية المختلفة.
وحقيقة فإن التخطيط الاستراتيجي من الجوانب الأساسية والمتطلبات الضرورية لتحقيق الجودة في مختلف قطاعاتنا، ومؤسساتنا، وقد قام العديد من الجهات بتطوير خطط استراتيجية لها، ولكن عملية التطوير تتفاوت في الالتزام بمراحل التخطيط الاستراتيجي الأساسية، ويتطلب تطوير الخطط الاستراتيجية تحديد رؤية، ورسالة، وأهداف القطاع أو المؤسسة، ثم معرفة واقعها وتحليله بنوع من الشفافية والوضوح لتحديد نقاط الضعف، والقـوة، وفرص التحسـين والتطـوير، والمخاطر المتوقعة لكل مجال من المجالات التي يشملها التطوير، ومن ثم تحديد سيناريوهات وخطط بديلة، واستكمال الخطة بشكلها النهائي، والعمل على تنفيذ الخطة، ومتابعة التنفيذ وتقييم مدى التقدم في الإنجاز.
والمشكلة هنا ليست في تطوير الخطة، فقد يتم تطوير خطة استراتيجية جميلة في إخراجها ومحتواها، ولكنها لا تعكس الواقع الحقيقي لهذه المؤسسة، أو القطاع، وبذلك لن تحقق الأهداف المنشودة، ولن تتم عملية التطوير المرغوب فيها، ولن يكون هناك تجويد للعمل وللمنتج النهائي، لأن جميع المتغيرات والمعلومات التي تم الاعتماد عليها في عملية بناء الخطة الاستراتيجية وتطويرها غير حقيقية، والتخوف الآخر هو أن الخطط الاستراتيجية تقف حبيسة الأدراج بعد تطويرها لعدة أسباب من أهمها: عدم إمكانية تنفيذها؛ لأنها لا تتعدى أن تكون خطة استراتيجية ورقية فقط ، كما أن عدم تحمس قمة الهرم الإداري في أي قطاع قد تعطل التنفيذ بشكل كلي؛ لأنها قد تتعارض مع بعض الاستراتيجيات التي يؤمن بها، أو تؤدي إلى الإخلال بالطريقة التي يؤمن بها في إدارة المؤسسة؛ حتى وإن كانت هذه الطريقة غير جيدة، أو غير عملية.
وهنا أرى أهمية اختيار التوقيت المناسب للتخطيط الاستراتيجي، والدعم الحقيقي للتخطيط الاستراتيجي من قبل المسؤولين، وصانعي القرار، ومشاركة جميع أفراد هذه المؤسسة في مختلف مراحله، وتوفير الدعم اللازم (المعنوي، والمالي) للتخطيط الاستراتيجي، والعمل على تنفيذه بشكل يتفق مع مراحله المختلفة، وتقييم ما يتم إنجازه بصفة مستمرة، أو ما يعرف بالتقييم المرحلي.