لا أعلم ماذا سيكتب الشاعر، خالد الفيصل، صباح اليوم عن (بوح الأخوة) إلى أخيه سعود وقد قرأت تنويه التقديم بالأمس. الذي أعرفه جيدا أنني سأحاول أن أكتب له اليوم فوارق ـ المرحلتين ـ من حياة شاعر، ناثر، للكلمات كما وصفه أشد مناوئيه بدريد بن الصمة. سأقول له أولا، إن سنواته الخمس الأخيرة لم تشهد له من الشعر إلا ـ قوافي الأحزان ـ التي ينثر اليوم منها وردته الذابلة الخامسة. أيضا، كتب خلالها قصيدة ـ السبعين ـ وبين بحور الآلام، لا بحور الشعر، فالذي يعرف هذا الشاعر، يعرف أيضا أن في جيبه قطع ورق قصيرة يكتب فيها ما لا ينشر وقد يقرؤه على خاصته أحيانا ليبرهن لهم أن بين مقاطع الأحزان بعض ومضات الشروق والتفاؤل. ربما يكتب تلك الومضات، فقط، من أجل الحفاظ على اللياقة الشعرية التي ساد فيها على رأس الهرم لفترة طويلة ثم انسحب بعد أن ثبت لديه أن رأس المال لا يشتري الضمير فحسب بل أيضا يشتري القصائد.
وحتى مع الناقد لا يخلو خالد الفيصل من الوضوح التام الذي لا تحتاج معه أن تدقق النظر كي يظهر الخيط الأبيض من الأسود.
ومثلما هو اليوم لا يكتب إلا الأسود من قوافي الحزن فلأنه شاعر اضطر أن يودع أمسه، وألا يترك خطا واصلا بين يوميه. كان هنا يكتب الحب، مثلما كان يكتب الغضى والسحاب والعيون، مثلما كان يجد وقتا ليكتب في شطر بيت قصير فارق الدهشة بين الدمعة والبسمة. هنا كان يكتب اللون الأبيض. لم يكن يرسم أبدا، وخذوا تلك على مسؤوليتي، بل كان يعيد صياغة أطرف ما تشاهده عيناه.
وفي أيام لن تعود، كنا معه، وهو يضرب ريشته راسما (أبها) في لحظة غسق، وكان مصرا أن يضع مسحة رمادية فوق أنوارها المنسحبة مع إطلالة الصبح، وكان يرسم سحابها بأقلام الرصاص السوداء وعرفت يومها ما لم أقله له: إنها بدايات اللون الأسود وإطلالة قوافي الحزن.
والفارق ما بين المرحلتين أنهم أعطوه ـ الأولى ـ صفحة بيضاء وحولها علبة ألوان جديدة مقفلة، فيما كان نصيبه مع الأخرى أنها ـ مرسومة ـ بكل الألوان ثم قالوا ضع فوقها بصمة اللون الذي تحب. وفي علم الألوان، فإن اللون فوق الذي قبله لن يقود إلا للرمادي أو الأسود. والمفارقة أن الذي عنفني ونهرني ذات يوم على إفراطي في السوداوية والتشاؤم هو من يكتب لنا اليوم بوح الأخوة بكل مرارة الحزن كما هو تاريخه مع المرحلة.