قناة "إم بي سي" الناطقة بالفارسية تثير الحيرة وتنثر الاستفهامات مثل نافورة.. فهي مجرد عرض مستمر لأفلام إيرانية وعالمية, سينما مجانية البث دون إعلانات أو رعايات تجارية، تستهدف جمهورا إيرانيا بالأساس وبضعة شرائح بشرية في باكستان والهند ودول الخليج.. ولو كانت بالأوردو مثلا لقلت إن هدفها تجاري لكن كونها تستهدف مشاهدا محدود الجغرافيا فهذا يعني أن لها غاية عبر عباءة فضفاضة لصراع طويل ثقافي وحضاري بين ضفتي الخليج.. وهنا مربط الاستغراب، لماذا تغيب عن جداول بث القناة مثلا النشرات الإخبارية والبرامج الحوارية والوثائقية باللغة الفارسية؟ لماذا لا يظهر على شاشتها مذيعو الربط والبرامج والمسلسلات والأفلام العربية والخليجية والخبراء والمثقفون العرب والإيرانيون وسواهم؟

دول كثيرة عبر العالم تجتهد في إطلاق قنوات مخصصة للجمهور العربي.. روسيا وكوريا والصين وقبلها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.. تحاول بدأب شرح وجهات نظرها السياسية وتقديمها للمشاهد العربي.. إيران نفسها تفعل ذلك، فلماذا تستثني "قوانا الناعمة" السعودية والخليجية والعربية الحضارية وهي كثيرة بالمناسبة في خطاب المشاهد الإيراني، وعكس وجهات النظر في مختلف المجالات سياسية كانت أو ثقافية للضفة الإيرانية، فحتما هناك مشاهد باحث عن الحقيقة والترفيه أيضا؟

الإيرانيون سياسيا يستخدمون كل قواهم في إيصال مواقفهم والتي هي في جلها سياسية مذهبية عبر قنوات متعددة، تستهدف الجمهور الخليجي والعربي الواسع بينما يتم الاكتفاء ببضعة أفلام تتكرر على شاشة يتيمة مع دبلجة فارسية! ماهي الرسائل التي يمكن إيصالها هنا؟ باستثناء الترفيه والمتعة المجانية، بينما يمكن عبر هذه الفكرة الجيدة "القناة الفارسية" خلق حالة تواصل وتأثير جيد مع جمهور نعيش معه اختلافات ثقافية وفكرية، ومع نظامه السياسي صراعا متعدد الجبهات يزداد عمقا وشراسة مع الزمن.. وفي السياسة لاعيب في استعمال كل ما هو متاح، فالظرف ملح والاستحقاقات تتزايد، لا سيما في ظل كل هذا الاضطراب الهائل الذي يعصف بمنطقتنا.