لم تكد رجلي تطأ مدخل الشقة؛ حتى انتقل بي المشهد من "شيكاغو" الأميركية إلى إحدى استراحات "الفحص الدوري" شرق العاصمة الرياض!!

للأسف تحوّل الابتعاث في نظر البعض إلى نزهة سياحية, أو إلى سنة عابرة يقضيها في معهد اللغة كيفما اتفق, وليعيش الحلم الأميركي من وجهة نظره, بعيداً عن أسوار التقاليد والدين, أما البعض الآخر فيأتي محملاً بآمالٍ وطموحات زائفة, ما تلبث أن تتحطم على صخرة الواقع, طبعاً السبب يعود إلى عدم استعداده المسبق لهذه المرحلة من حياته, فالابتعاث ليس مجرد جامعةٍ ومعهد, بل منظومة متداخلة من التعامل اليومي وأسلوب الحياة.

بعد أن يصطدم الشاب بمعايير المجتمع الأميركي, وخصوصاً من الجنس اللطيف, يبدأ بالتقوقع على نفسه, ثم يبحث عن مواطنيه, والذين كان يلتقيهم فقط خلال أمسيات نهاية الأسبوع, لتتحول لقاءاتهم الأسبوعية إلى يومية, ثم تتطور العلاقة إلى "قطة" شقة مشتركة, تتطور مع مرور الأيام إلى استراحةٍ سعوديةٍ بامتياز, بداية من أربعة "البلوت" والمعسّل مروراً بجهاز "البلايستيشن" حتى قدر "الكاتم".

ينغمس الشاب بعمق في تلكم الاستراحة, ليقتصر يومه على حضور المحاضرات, ثم إضاعة الوقت والعمر في الاستراحة, مضيعاً على نفسه فرصة المشاركة في النشاطات اللاصفية في جامعته أو معهده, بل وحتى التحرك وسط مدينته وزيارة المدن والبلدات القريبة, وليفوّت فرصة التعارف والتداخل مع أفراد المجتمع الأميركي, وهم الأشهر في لطفهم وتعاملهم مع الغرباء, فضلاً عن خوض تجارب حياة الغربة و"العزوبية".

قد يتحمل الشاب شيئاً من المسؤولية, لكن العبء الأكبر يقع على وزارة التعليم العالي, فلا تزال ملتقيات الابتعاث بعيدة عن واقع الحياة اليومية, وغير ملبية لاحتياجات واهتمامات الشباب, فضلاً عن غياب دور أندية الطلبة السعوديين في مواجهة ظاهرة "الاستراحات", بالقضاء على أسبابها الأساسية أولاً, واحتواء الشباب ثانياً.