ينتظر المهتمون بقضية "المجتمع المدني" قريباً موافقة مجلس الوزراء على قانون مهم جداً، يعد إقراره مفصلياً في تاريخ مجتمعنا السعودي؛ إذ يفضي إقرار هذا النظام إلى مؤشرات تدل على الاهتمام بمبدأ الشراكة الشعبية للمجتمع، كما أنه في الوقت ذاته يعطي فرصة كبيرة للأفراد السعوديين للوعي بالعمل التطوعي غير الربحي من خلال ممارسة العمل الوطني المنظّم على أرض الواقع، وهذا ما يقود إلى التعددية والتعايش والتكامل الاجتماعي من أجل بناء الوطن بسواعد أبنائه، بل إنه اللبنة الأهم في إنشاء أرضية خصبة للعمل الاجتماعي.

فبعد أن ناقش مجلس الشورى، منذ عامين، المسودة الأخيرة لمشروع نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية (مؤسسات المجتمع المدني) يتم الحديث عن قرب إقرار النظام المتضمن لهيئة عليا-يرأسها وزير- تتولى الإشراف العام على عمل المؤسسات والجمعيات ومنحها التراخيص، مع افتراض عدم تدخلها في طبيعة عمل المؤسسات.

مرّت الآن سبع سنوات منذ طرح الصحافة لمسودة المشروع الأول، الذي أتمنى ألا يبقى المجتمع ينتظر مزيداً من الوقت لهذا النظام، وعلى أمل آخر أيضاً في ألا تكتنف البيروقراطية الهيئة المشرفة كيلا تعيق نمو المؤسسات وتعطل مشاريع تنمية العمل الاجتماعي التطوعي من خلال قيود نظامية صريحة أو توجد إشكالية في تفسيرها، لذلك من الأهمية وجود مذكرة تفسيرية، فما الفائدة في كون القطار يعمل لكن عجلته لا تتحرك مما يجعله باقيا في مكانه على السكة.

ليس هذا الرأي حكماً مسبقاً، أو بحثاً عن سلبيات لم تظهر بعد، لكنه محاولة للدفع بالعجلة للدوران بشكل صحيح، فما لمسته من خلال الأعوام السبعة الماضية يصب في هذا المجال، فالمحاضرات والندوات والمقالات والموضوعات التي شاركت فيها، أوحت إليّ بأن المجتمع متحمس لمثل هذا القانون، ومستعد للتحول إلى مجتمع مدني متعايش لبناء لوطنه، وقد أظهرت لي بعض النقاشات أن وعي المجتمع واهتمامه يبدأ من طرح الفكرة، لكنه لا يتعمق إلا بالعمل والممارسة.

إن ما يبعث على التفكير فعلاً هو سؤال محوري يجب طرحه: هل ينتظر من هذا النظام أن يسهم في تنمية المجتمع وتطويره أم أن المجتمع سيجيّر هذا النظام لماضويّته؟ لا يمكن أن يكون المجتمع مدنياً وهو يريد أن يعيش الماضي دون معايشة الحاضر وتخطيط للمستقبل، لذلك من الصعب تصور مؤسسات مجتمع مدني تقوم على أسس قبلية أو مذهبية أو أسرية. هذا الفضاء هو الفضاء التقليدي أو الطبيعي الموجود مسبقاً من خلال المؤسسات الطبيعية وهي القبيلة والطائفة والأسرة، والانتماء لهذه المؤسسات موجود في حدوده الطبيعية فتلك الانتماءات ألفها مجتمع الجزيرة العربية منذ الجاهلية وحتى الوقت الحاضر، فالطائفة مثلاً موجودة وستكون موجودة ضمنياً أثناء تحول المجتمع إلى ممارسة الانتماء الإرادي لمؤسسات لن تكون بديلة بطبيعة الحال لكنها ستكون موازية وإضافية وداعمة للوعي، والعمل من خلالها يعطي آفاقاً حضارية يحفها الجهد المنظم والتفاهم والاحتكام للقانون خارج الأطر الضيقة، وكل ذلك في سبيل تطوير الذات المجتمعية من خلال الأعمال التطوعية التي هي أيضاً تحقيق للذات الفردية.

لم يفرق مشروع النظام المنتظر في مسودته الأولى والثانية بين ذكر وأنثى في العمل التطوعي، ولم يضع قيوداً على الحركة العامة للمجتمع، لكن من الملاحظات التي دار النقاش حولها منذ سنوات هي مدى حرية الجمعيات واستقلاليتها في ظل وجود الهيئة المشرفة، ومدى إمكانية وجود جمعيات وفق منطلقات عائلية أو قبلية أو طائفية، إلا أن التطبيق على أرض الواقع هو الفيصل في هذا الأمر، إذ يمكن تعديل الأنظمة والقوانين بعد تجربتها وتطبيقها فعلياً، والجدير بالاهتمام في شأن موضوع المجتمع المدني وقضاياه؛ إقامة المؤتمرات واللقاءات والندوات وورش العمل للخروج بتصورات واضحة من شأنها تطوير الأعمال والمشروعات المستقبلية وفقاً لرؤى حضارية يكون المجتمع فاعلاً وآمناً وبنّاءً، وذلك لمساعدته في تنمية ذاته ووطنه للانتقال إلى آفاق حضارية أرحب، يكون فيها الفرد مستقراً ومنتجاً وفاعلاً في الشراكة الاجتماعية؛ وخاصة أن المجتمع السعودي مجتمع شاب يفترض أن تكون فيه روح الشباب حاضرة في مؤسساته.. عندها نستطيع القول إن القطار قد تحرك.