بمناسبة اقتراب الأيام الأولى في حياة الأطفال للانتماء إلى الصف الأول الابتدائي، ومنهم من سيذهب إلى الروضة، سيدفعهم إليها آباؤهم وأمهاتهم لبدء مشوار الحياة وشق الطريق نحو مجتمع أوسع من الأسرة، تكوين العلاقات والاعتماد على النفس وبدء الإحساس بقيمة المصروف"ريالين" مع العصير والساندوش، وأنصح ألا يكثر المصروف، لأنه سيكون إفراطا يليه طلبات كبيرة إذا ما تعود الطفل على"يد مخرومة" لكن من المهم جدا احتواء الأطفال والتمهيد النفسي لهذه العلاقة الجديدة لهم مع عالم المدرسة.

أتذكر هذه الأيام جيدا من حياتي، وسأشرككم فيها، لأن في حياة كل منّا ذكريات جميلة ساخرة نتسلى بها، ونتعلم منها رغم ما تثيره من ضحك، وربما يتذكر بعضكم "سالفة" جلوسي على المكيف لأتأمل السماء والناس خلال تسلقي إليه في "بلكونة" بيتنا بالطابق الثالث، وقد سردتها لكم في مقال سابق، كنت أخذتُ عليها "علقة" محترمة من والدي حينها، فبالرغم من هدوئي وانطوائيتي في طفولتي إلا أن شقاوتي غير متوقعة أبدا، فالطفل الشقي تحسب له ألف حساب، لكن هادئ الطباع والمطيع والأليف مثلي، كثير من الآباء يطمئنون له ويعطونه الأمان، فيأتي بـ"العجائب".

أعود للطفلة التي قصت لها أمها "شعرها الطويل" قبل دخولها المدرسة، قصََّة شعر اسمها"الأسد" مستغلة نعومة شعري، طبعا كانت "موضة" على أيامي، كي ترتاح من تضفير شعري يوميا، مكتفية بوضع شريطتين صغيرتين محل الضفيرتين.

المهم والدتي قررت التخلص مني مبكرا، فأدخلتني إلى المدرسة قبل السنّ المقررة كمستمعة ضمن الصف الأول الابتدائي، إذ لم أكمل السادسة بعد، ليس لأني شقية، بخلاف أخي وأختي الشقيين جدا، فهي تتركني في مكان وتجدني فيه لا أتحرك، وقد أصرّت والدتي على المدرسة كي تسجلني، لأنها مهتمة كثيرا بتعليمي.

كنتُ خائفة جدا في أيامي الأولى، لأني ملتصقة بأمي كثيرا، فلم تكن قبل ذلك تسمح أن ألعب بالحارة مع الأطفال أو الخروج من البيت دونها، وكنتُ كثيرة البكاء حد الإزعاج إذا ما ابتعدت عنها، فاضطرّت أن ترافقني يوميا لأسبوعين، وتبقى في الفصل حتى انتهاء الدوام لأعتاد على عالمي الجديد ومعلمتي"أبلة جميلة"، تدفعني لألعب مع الطالبات في الساحة لكني لا أترك عباءة أمي، حتى يئسوا وطلبت أخيرا المديرة منها ألا ترافقني، لأواجه مصيري المحتوم، إلا أني تحولت من الالتصاق بها للالتصاق بـ"أبلة جميلة" اسما على مسمى، ويبدو أن الانطوائية سيطرت علي كثيرا، لم أكن أعرف كيف أتعامل مع زميلاتي وأهابهن بسبب ضآلة جسمي آنذاك، وزاد كرهي للاقتراب منهن لأنهن يتعمدن أذيتي وسرقة مصروفي وفطوري "مستقويات" بأخواتهن في الصفوف العليا، حتى جاء اليوم الذي كرهتُ فيه "برّاية" قلم الرصاص!لماذا ؟! أكمل لكم في مقال قادم.