أكتب هذا الأسبوع من مدينة شيكاغو، عاصمة وسط أميركا والقاعدة التي انطلقت منها الحملة الانتخابية للرئيس باراك أوباما في عام 2008، ليصنع التاريخ ويصبح أول رئيس أميركي من أصل أفريقي. وعمدة شيكاغو منذ أبريل 2012 هو رام إمانويل، الذي كان مسؤولاً عن تلك الحملة الانتخابية التاريخية، ثم أصبح الساعد الأيمن لأوباما أميناً عاماً للبيت الأبيض بين عامي 2009 و2011. وحسبما هو متداول في شيكاغو هذه الأيام، فإن إمانويل ما زال مشاركاً رئيسياً في الإشراف على الحملة الانتخابية لإعادة انتخاب الرئيس في نوفمبر القادم.

ومما يلفت النظر في شيكاغو أنه على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها، فإنها ما زالت تدين بالولاء للرئيس أوباما، وقد يكون هذا توجّه النخبة السياسية فيها فقط. وربما كان هذا التوجه يمثل رأي المدينة بأكملها، بسبب الانضباط الحزبي لهذه المدينة المسيّسة حتى العظم. فشيكاغو، في نهاية المطاف، مدينة ذات حزب واحد عملياً. فكل عمدة للمدينة منذ عام 1927 وحتى الآن، كان من الحزب الديموقراطي. والعمدة هو في نظامها بمثابة رئيس حكومة شبه مستقل عن حكومة الولاية وعن واشنطن. أما المجلس البلدي، وهو الجهاز التشريعي للمدينة، فجميع أعضائه منذ عام 2008 من الحزب الديموقراطي، عدا عضو واحد من الحزب الجمهوري. ولهذا فلن يكون من المستغرب أن تصوت المدينة لأوباما في نوفمبر، ولجميع المرشحين الديموقراطيين للكونجرس، كما كانت العادة في الماضي.

وكل هذا، حتى الآن، أخبار سارة للبيت الأبيض، فشيكاغو مدينة في غاية الأهمية، سياسياً لأنها تمثل القاعدة الانتخابية للرئيس ومن المعيب ألا تكون في صفه دون تردد، واقتصادياً لأن هذه المدينة الضخمة، ثالث كبرى المدن الأميركية، وهي البوابة الاقتصادية لوسط أمريكا – في التجارة والصناعة والزراعة والنقل وأسواق المال والسلع.

ولأن اقتصاد شيكاغو انعكاس لاقتصاد المنطقة، فإنها قد تأثرت أكثر من سواها بالأزمة الاقتصادية، ولكن الولاء السياسي لشيكاغو سيُبقيها في خانة الرئيس، الذي تعتبره ابنها البارّ. وربما نتذكر من الحملة الانتخابية السابقة (2008) كيف ساعدت "الآلة السياسية" المشهورة لشيكاغو أوباما للوصول إلى سُدّة الرئاسة، وهي آلة سياسية اشتهرت بكفاءتها وفسادها في الوقت نفسه.

وهذا جانب آخر مُظلم من جوانب شيكاغو. فبالإضافة إلى أهميتها السياسية والاقتصادية والثقافية، اشتهرت المدينة بعدم نزاهة نظامها السياسي الذي أصبح مضرباً للمثل في الفساد ومحل التندر في أميركا كلها.

وفي مكتبات شيكاغو وجدتُ عشرات الكتب عن عجائب نظامها السياسي، ومن ضمنها بحث حديث كتبه دِكّ سيمبسون، وهو أستاذ جامعي عمل في السابق عضواً في المجلس البلدي، واستنتج فيه من مقارنة بعدد من المدن الأخرى، أن شيكاغو هي "أكثر مدن أميركا فساداً." وحسب هذا الباحث، فإن للمدينة تاريخاً طويلاً في الفساد، يعود إلى عام 1869، حين عُقدت أول محاكمة لعدد من المسؤولين في حكومتها بسبب الفساد. وذلك بعد تأسيس المدينة بفترة وجيزة، حيث تم تأسيسها بعد آخر معركة عسكرية مع الأميركيين الأصليين دارت رحاها في عام 1834، وانتصر فيها المستوطنون الأميركيون.

ومنذ عام 1976، تمت إدانة 1531 موظفاً في حكومة مدينة شيكاغو بتهم تتعلق بالفساد. بالإضافة إلى عشرات من المسؤولين الآخرين، منتخبين ومعينين في المجلس البلدي وغيره من المؤسسات. بل أصبح الفساد شيئاً مألوفاً في المجلس البلدي، إلى درجة أن ثُلث أعضائه تقريباً منذ ذلك التاريخ قد أدينوا بتهم تتعلق بالفساد.

وعلى الرغم من هذا التاريخ المظلم للنظام السياسي لمدينة شيكاغو فإن من حسن حظ الرئيس أن دعمها له لم ينعكس سلباً عليه حتى الآن، ولكن سمعتها قد تصبح عبئاً عليه خلال الأسابيع القادمة حيث يشتد وطيس الحملة الانتخابية، خاصة أن المرشح الجمهوري ميت رومني بدأ يقدم نفسه في صورة السياسي النزيه البعيد عن مكائد السياسة وأساليبها، القادم من خارج دهاليز المؤسسات لتصحيح أخطائها.

ولكن العامل الأخطر والأهم في انتخابات هذا العام هو الاقتصاد، وهو ما سيحسم النتائج في نوفمبر، ليس للبيت الأبيض بل كذلك للكونجرس ومناصب حكام الولايات المطروحة للاقتراع. فالكساد الاقتصادي يضرب أطنابه، على الرغم من تطمينات إدارة الرئيس أوباما بأن الانتعاش الاقتصادي قد بدأ وأنه أصبح مسألة وقت محدود إلى أن يتم تحقيقه في جميع أرجاء البلاد. فتقارير البطالة التي تصدرها الحكومة نفسها، كل شهر، تُضعف مصداقية أوباما فيما يتعلق بإدارة الاقتصاد، ولا يتردد منافسه الجمهوري، في كل منافسة على التركيز على نقطة الضعف هذه. صحيح أن معدل البطالة قد انخفض من 10.5% إلى 8.2% خلال عامين، ولكن ذلك لا يكفي للمواطن الأميركي الذي تعود على معدلات بطالة تقل عن 5% لعقود من الزمن، ويرى غالبية الأميركيين أن عدم قدرة الحكومة على تخفيض البطالة إلى معدلاتها التاريخية قد أصبح فشلاً غير مقبول، خاصة أن معدل البطالة أصبح يراوح مكانه في الأشهر الأخيرة.

وكمؤشر على مزاج المواطن الأميركي، أصدرت خدمة (جالوب) المتخصصة في استطلاعات الرأي العام، في بداية شهر أغسطس الحالي، تقريراً خلاصته أن الأغلبية في (13) ولاية فقط، بالإضافة إلى مقاطعة واشنطن العاصمة، تبدي رضاها عن أداء الرئيس أوباما في منصبه، مما يعني أن الأغلبية في الولايات الـ (37) الأخرى ترى رأياً مخالفاً في أدائه، وهذا نذير سيئ للرئيس قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات.

والحقيقة أنه في معظم الولايات الأميركية التي زُرتها هذا الصيف، من كاليفورنيا إلى ميتشيغان، يبدو الرئيس أوباما شخصاً محبوباً من قبل الجميع، باستثناء اليمين المتطرف الذي لم يقبل في الحقيقة رئاسة أوباما على جميع الأحوال. ولكن المشكلة ليست في شعبية الرئيس على المستوى الشخصي والإنساني، بل في الأداء الاقتصادي لحكومته، وعدم تمكنها من إعادة الولايات المتحدة إلى جادة الانتعاش الاقتصادي الحقيقي، وهذا ما أثر على حماسة المواطن الأميركي، بما في ذلك أعضاء الحزب الديموقراطي، لإعادة انتخاب أوباما.

فمدينة شيكاغو، إذن، قد لا تمثل بقية مناطق أميركا، ولا تعبّر عن نبض ولاية إيلينوى أو منطقة الوسط الأميركي، أوالتوجه السياسي لهذه المنطقة المحافظة والمؤثرة، وهي منطقة الرئيس أوباما، التي تبدو وقد انقلبت عليه بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمرّ بها، نظراً إلى أنها تأثرت بالركود الاقتصادي أكثر من غيرها من مناطق أميركا.

ومما يُضعف فرص أوباما في إعادة الانتخاب أن كثيراً من أنصاره قد فقدوا حماستهم للرئيس بعد تنازلاته العديدة التي عقدها مع الجمهوريين في الاقتصاد والسياسة وحقوق الإنسان، بما في ذلك عدم إغلاق معسكر جوانتانامو الذي كان قد وعد بإغلاقه "خلال السنة الأولى" من عهده، والتنازلات المتعلقة ببرنامج التأمين الصحي.

وخلاصة الأمر، أن الكثيرين في تلك الولايات التي زرتُها يتشكّكون في إمكانية إعادة انتخاب الرئيس أوباما، ما لم يتحسن الاقتصاد بشكل أساسي وملموس قبل شهر نوفمبر، وهو ما لا يبدو محتملاً.

والاحتمال الآخر هو أن يرتكب المرشح الجمهوري خطأً جسيماً يجعله غير مقبول كبديل للرئيس أوباما.