قبل أسبوعين تقريبا، فوجئنا بخبر غير سار من أرامكو السعودية، وقليلة هي الأخبار المزعجة القادمة من هذه الشركة الوطنية التي نفخر بأدائها مقارنة بقطاعات وطنية أخرى. فقد تم الإعلان عن حصول اختراق أمني لأنظمة الشركة الإلكترونية جعلت موظفي الشركة حتى لحظة كتابة هذه السطور غير قادرين على استخدام حساباتهم البريدية الإلكترونية كمثال بسيط على الضرر المتحقق. ولأنها شركة أرامكو التي تدير مع وزارة البترول والثروة المعدنية والمجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن قطاع النفط السعودي الذي هو عصب اقتصادنا الوطني، ولأن السعودية أكبر بلد مصدر للنفط وصاحبة أكبر الاحتياطات النفطية، والطاقة شريان الحياة لهذا العالم، فمن الطبيعي أن يكون هناك اهتمام كبير محليا ودوليا بهذا الحدث المؤسف. هذا عدا عن اهتمام الإعلام التقني والمؤسسات المعنية بأمن المعلومات بمثل هذه الحوادث. فكيف تم التعامل مع الحدث إعلاميا؟

هناك الكثير من الأسئلة التي تدور في خلد الكثيرين؛ فكيف تم هذا الهجوم أو الاختراق لشركة بهذا الحجم؟ هل كان نتيجة خطأ غير مقصود ترك ثغرة فنية؟ أم أن في القضية جناية سببها الإهمال أو التخريب المتعمد؟ هل هناك تحقيقات جارية بهذا الخصوص داخل الشركة وخارجها؟ هل تعد هذه جريمة أمنية وطنية بحيث يُفترض أن تشارك في التعامل معها قطاعات الدولة الأخرى مثل وزارة الداخلية؟ هل الموضوع محصور في أرامكو أم أن العالم ينتظر سماع تعليق رسمي سعودي سواء من وزارة الإعلام أو الخارجية؟ وهل تم سد هذا الخلل الآن؟ وما حصاد الخسائر المادية والمعنوية؟

حتى اللحظة لا يوجد تعليق رسمي من الشركة إلا تصريحات متفرقة هنا وهناك وتصريحات أخرى من "مصادر" نشرتها بعض الصحف وموقع العربية والذين نقلوا أيضا عن مواقع إلكترونية أجنبية، وهذه التصريحات فيها شيء من التضارب فهناك من يتحدث عن هجمة فيروس، وآخرون عن اختراق لمجموعة من المخترقين (الهاكرز). ولعل أوسع تغطية، وليست بالضرورة الأفضل، إذ تعكس فقرا في المعلومات التقنية، هي التي قرأتها في صحيفة الاقتصادية (الاثنين 02 شوال 1433)، التي ركزت على الإجراءات الاحترازية التي تقوم بها الشركة الآن مثل جلب خبراء أجانب، وليس عن أسباب الحدث أو أية تفصيلات أخرى.

وبعد أكثر من أسبوعين دون تفصيلات موثقة في الإعلام، طبيعي أن تبدأ الشائعات في التضخم مثل كرة الثلج، بعض هذه الشائعات يسيء لأرامكو السعودية وللمملكة، فقد وجد البعض في هذه القضية فرصة سانحة لتفريغ هواهم الشخصي وتحقيق فرقعاتهم الإعلامية، وبدلا من الحديث عن قضية أمن معلومات إلكترونية بتنا نتحدث عن الدين والسياسية والمشهد الإقليمي والاستخبارات الدولية، ومع ذلك لا جديد، لا من أرامكو ولا من إعلامنا المحلي الذي يتعامل مع القضية وكأنها حصلت في بوركينا فاسو.

ومع أننا نتحدث هنا، عن قضية محددة، إلا أنه يمكن القول بأن هذا الأسلوب في عدم إعطاء تفصيلات عن الأحداث المهمة التي تسلط عليها الأضواء سلفا، وبالتالي لا فائدة من تجاهلها، يفتح مجالا لهذه الشائعات التي تصبح بعد برهة من الزمن حقائق تاريخية يصعب المجادلة حولها. وقد نشرت قبل بضعة أشهر في "الوطن" مقالا بعنوان: "كيف تعامل السعوديون مع قضية الجيزاوي؟"، أوضحت فيه أن المملكة ـ على الرغم من سلامة موقفها ـ كانت بطريقة غير مباشرة سببا في استمرار ذلك الهجوم من قبل بعض وسائل الإعلام المصري آنذاك، وذلك حين تأخرت كثيرا في الإعلان عن روايتها الرسمية التي توضح بأن احتجاز المحامي أحمد الجيزاوي تم لشبهة جنائية، وهي تهريب الحبوب المخدرة الممنوعة، وليس لأن له مواقف سياسية سلبية من المملكة وأنه جاء معتمرا محرما وملبيا وحيل بينه وبين بيت الله الحرام! والآن لنتخيل الفرق في وقع خبر الاحتجاز على عموم المسلمين قبل وبعد اتضاح الحقائق. فقبل التوضيح الرسمي نحن أمام دولة تحتكر بيت الله الحرام وتحول بين المرء وعبادة ربه! وبعد التوضيح دولة ذات سيادة لها كل الحق في حماية نفسها ومواطنيها وسكانها بشكل عام من الآثار المدمرة للمخدرات وما يدخل في حكمها.

دور الإعلام هو أن يكون سلطة رابعة، وبالتالي فمن واجبه تسليط الضوء على القضايا المهمة والحساسة التي تهم الناس وتمسهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن يتحدى العقبات التي يضعها من لا يريدون أن يطلع المرء على ما يدور حوله، وهنا يأتي دور الصحافة الاستقصائية، التي هدفها تتبع خيوط القضية بأسلوب المحققين البوليسيين المستقلين. لكن ما يحصل عندنا هو أن القضايا إما أن لا تُغطى من الأساس، أو تُذكر بشكل مقتضب، أو أن يتم الحديث عنها بإسهاب حتى تصبح بالفعل قضية رأي عام، ثم فجأة يسدل الستار دون معرفة تتمة القضية، ويُترك لخيالنا تحديد النهاية. فما آخر التطورات في قضية مغتصب قاصرات جدة؟ وماذا حل بالجيزاوي؟

قبل ثورة المعلومات وقبل الجوالات الذكية، كان مقبولا انتهاج سياسة التروي والحذر، وأن يتم تأخير الإعلان عن الأحداث الكبرى، وكان يمكن فهم تهيب الإعلام من الخوض فيها إلا بعد مرور وقت كافٍ، ولكن تغيرت الأمور كثيرا خلال العشرين سنة الماضية، وآن الأوان للتعامل إعلاميا مع الجمهور في الداخل والخارج بلغة العصر وإيقاعه السريع، لاسيما في القضايا الوطنية والقومية الكبرى، وتهديد أمن المعلومات في أرامكو واحد من هذه القضايا. فلسنا في مجال توجيه اللوم للقطاع النفطي أو الإعلامي أو الحكومي بقدر ما نرغب في أن نرى تغييرا قريبا في سياسة التكتم والتجاهل من أجل صالح هذا الوطن الغالي.