مشكلة الحوار لدينا أخذت منحيين خطيرين كلاهما يمس الأمن؛ الأول حوار يتعلق بالمذاهب وآخر يتعلق بالمثقفين. وسأبدأ بالأخير.. فأنت تصاب بالذهول عندما تستمع لحوار بين من تظن أنهم صفوة المجتمع وقادة الفكر ورموز التنوير والتطوير.. تبحلق بعينين وتفتح فاك من هول ما تسمعه أو تقرؤه أثناء حوار مسموع أو جدل مكتوب بين من تظنهم رموز الثقافة في البلاد.. تستغرب أن الكلمات التي يستخدمونها هي في قاموس ذخيرتهم اللغوية.. وأن الأفكار التي يطرحونها تقبع في زوايا عقولهم.. تستغرب ممن يُفترض أن يعلموا المشاهد أو القارئ أو المتابع لهم من الطلاب والمتابعين من أفراد المجتمع على الشاشات أو على مواقع التواصل طرائق وأساليب الحوار الراقية.. تستغرب وتتساءل أهولاء هم القدوة؟ وهنا الخطورة؛ فالمقتدون سيكونون بالآلاف، وعندها نجني مجتمعاً هكذا طريقته في الحوار وهذا أسلوبه في النقاش.. إنه مؤشر خطير وظاهرة غريبة وعجيبة في نفس الوقت.. مؤشر خطير لأنه سيُقتدى به..وظاهرة غريبة، لأنه يكون بين قادة فكر وبين صفوة المجتمع.
إذا احتاج مثل هؤلاء المتحاورين إلى تعليم في كيفية الاتفاق والاختلاف، فإلى من نلجأ لتعليمهم؟
أما ما يتعلق بالمذاهب، فقُدِّر لهذا الوطن أن يتوحد وأن تكون تركيبته المذهبية كما هي.. وقد بُذلت جهود كبيرة في توحيده وبنائه منذ عهد مؤسسه الملك عبدالعزيز، واستمر كذلك في محبة وصفاء وتآلف بين كل أطيافه. ويجب أن يستمر، ويبدو أن مشكلتنا في حواراتنا، ويبدو أن مجتمعنا يفتقر إلى أساليب الحوار والنقاش، لأننا وإن كنا لا نتوقع أو نظن أن صفوتنا تفتقر إليه، إلا أننا نلاحظ دائماً وفي معظم حالات النقاش أن هناك تشنجا وانفعالا وإقصاء.. فترى أن مجموعة من المواطنين، تجمع بينهم المواطنة، تقلهم أرض واحدة وتظلهم سماء واحدة، يشتركون في عامل مهم وهو: المواطنة، ويكشف لك النقاش أن جزءاً في أقصى اليمين وآخر في أقصى الشمال. يتحاورون، والحوار أمر مطلوب وهو من توجهات وسياسات بلادنا التي تكرسها. لكن الخطورة في الأمر أن الحوار بين المتناقشين لا يضع أبعاد وخطورة الفجوة بين المتناقشين على الوطن وأمنه في عين الاعتبار. بل ينظر إلى الانتصار وكسب جولات المناقشة والحوار بصرف النظر عن أي ثمن. هذا ما يسمى اختلاف التضاد. وهذا ما يضعف أبناء الوطن.
الاختلاف مطلوب، لكنه اختلاف على الآليات المؤدية لأهداف وليس اختلافاً على الأهداف ذاتها، اختلاف على الآليات اختلاف تنوع يثير الحوار ويثري النقاش ويخرج منه المتحاورون بأفكار جديدة بناءة، لكن اختلاف التضاد إذا اتسعت شقته كان شرا ووبالاً على الوطن وأهله. يجب أن نكون من الذكاء لندرك، أنه مهما اختلفت رؤيتنا أو فكرنا أو مذهبنا، أن أمننا وأمن وطننا أمر مقدس ويجب عدم التلاعب به أو فيه.
إن الادعاء بامتلاك الصواب واحتكار الحقيقة مغالاة وأمر غير مرغوب. إن الادعاء بإقصاء أي فئة من المواطنين بأي حجة، أمر عواقبه وخيمة.. وتصنيف أبناء الوطن ثم التعامل معهم على أساس هذا التصنيف لا يخدم أحدا، وهو أمر خطير على المدى البعيد. أقرؤوا التاريخ، القريب منه والبعيد. لتعرفوا العامل الأساسي للتخلف وكيف تُخترق الأمم. إننا، مواطنين ومثقفين وعلماء، يفترض أن ندرك بوعي كامل أن الأمر لا يقف عند إقصاء فرد أو جماعة. إنها قضية تمس أمن وطننا ومستقبل بلادنا. من العيب أن نعيش في بلد واحد مواطنين لبلد عرف عبر تاريخه بالسماحة والمثل والمبادئ والقيم السامية وننعت بعضنا ونصنف بعضنا ونقصي بعضنا البعض. حتى مع وجود الأخطاء والتجاوزات والممارسات التي لا نقبلها يجب أن نضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة. نقف صفاً واحداً مهما اختلفنا، حفاظاً على أمننا وحفاظاً على وطننا. يفترض أن نعي أن ما بنيناه على مدى عمر بلادنا هو أمانة عندنا لأجيالنا القادمة. إن اختلاف التضاد بين أبناء الوطن الواحد أمر غير مقبول لكل عاقل، وإن تكريسه أمر خطير ليس في مصلحة أحد. وإن التقاءنا على المواطنة أمر لم يعد ترفاً في هذا العصر. إن من يحضر بعض الحوارات في مجالسنا يصاب بالفزع من الخلاف وليس الاختلاف بين المتحاورين وكأننا من كواكب مختلفة. والأمر الذي يزيد حيرة أن هذا يتم بين طبقة المثقفين الواعية الذين يفترض أن يكونوا على درجة كبيرة من الوعي بأن هذا الخلاف لا يصب في مصلحة أحد. ومن أولهم المتحاورون أنفسهم. لنكرس ثقافة اختلاف التنوع الذي يحقق لنا الاتفاق على الأهداف التي تحفظ أمننا وتضمن تقدم بلادنا. وننبذ ثقافة اختلاف التضاد التي توسع الشقة وتفرق اللحمة، فنحن وبلادنا لا نستحق هذا ولا نستحق ما سيؤدي إليه، لا سمح الله.
تسمع في بعض الحوارات أحكاما مسبقة، وترى في بعض الحوارات تحزبات لفريق ضد آخر، وتخشى ألا يقتصر هذا على جماعتين التقتا في منتدى أو ضمهما مجلس، الخشية أن يكون هذا مؤشرا لانقسام في المجتمع نفسه. إن الاستمرار في هذه النقاشات ومحاولة كل فريق التأليب بشتى أنواع الطرق على الفريق الآخر أمر خطير. الاختلاف حول قضية محددة أمر سهل.. والاختلاف حول قرار محدد أمر سهل.. والاختلاف حول إقرار مشروع بشكل أو بآخر أمر سهل، الأمر الذي ليس سهلاً أن نختلف في الفكر وأن ينقسم المجتمع على هذا الأساس.
وخلاصة القول؛ نحن في هذه البلاد نتمتع على مر تاريخ بلادنا بمسرح مجتمعي متآلف متحاب متآخ على اختلاف رؤانا ومشاربنا، لكن كيف تم اختراقنا على هذا النحو المؤذي؟ كيف تم اختراق مفكرينا ومثقفينا إلى درجة التضاد؟ كيف يتحدث مواطن عن مواطن آخر بلهجة ولغة غير متسامحة (حتى لا أقول لغة عداء). لنختلف، هذا أمر مشروع. لكن نتضاد هذا أمر يجب أن يعيد مفكرونا ومثقفونا النظر فيه. يجب ألا نضطر لقوة النظام حتى تمنع العواقب الوخيمة لهذا النوع من الخلاف، ونعود إلى قوة الحكمة والصواب وتغليب مصلحة الوطن لتمنع التضاد المسيطر على حواراتنا.
أيها المتحاورون.. أيها المثقفون.. أيها المختلفون: أرجوكم لا تعبثوا بأمن الوطن.