ومن الصديق الزميل، جاسر الجاسر، سأسرق اليوم بعض كلمات العنوان وشيئا من فكرة جملته الأولى، بالأمس، وهو يقول: إن الميت هو لوحده من لا ينحاز. لكنني لن أكتب اليوم في السياسة ولا عنها لأنني أعد منظومة دول عدم الانحياز مجرد ناد للدول المختلفة ذات يوم عن الركب التقني والاقتصادي العالمي ثم آثرت أن تغطي هذا – التخلف – برداء لغوي تخدع به شعوبها وتضحك عليها في تبرير التقاعس على اللجان بالعوالم الأولى من عالمنا الواحد. وبالنسبة إليّ فإن الذي (لا ينحاز) إلى فصيل أو موقف أو رأي، إما أن يكون جاهلا أو جبانا أو مترددا ضعيف الشخصية. ولا فروق تذكر لدي بين الانحياز التام في المواقف الكبرى أو الصغرى. وإذا ما خيروني ما بين موسكو أو بين واشنطن فلن أهزم نفسي بموقف رمادي كاذب من أجل تصفيق الآخرين أو عنتريات أدبياتهم المختلفة. سأذهب إلى واشنطن دون نقاش أو مداولة.
وبمثل القياس السابق، فأنا لا أتردد لحظة واحدة في الانحياز إلى الكبسة أو المرقوق حين تسألني زوجتي: ماذا تريد على وجبة العشاء. الشخص المتردد، غامض المواقف يتعب كل الذين يحيطون به أو يعيشون معه. ومثلما هي كذبة كبرى في السياسة (ألا تنحاز) فمن الخداع والمرض ألا تكون واضحا صريحا في جملة حياتك اليومية. وكما أن دورة اليوم الواحد هي بياض النهار وسواد الليل، فإن الألوان لدي هي مجرد هذين اللونين، وكل الألوان فيما عداهما إنما وضعت خدمة لتمييزهما، ولكننا للأسف الشديد نعيش جل حياتنا في قلب الألوان الثانوية. الشيء الوحيد الذي دربت فيه نفسي على (عدم الانحياز) هو المسافة ما بين الحب والكراهية. تعلمت أن الإنسان حينما لا يحب أحدا فليس بالضرورة أن يكرهه لأن هناك مساحة مشرعة وكبيرة لا تحب فيها ولا تكره. نحن (لا ننحاز) في الظاهر، ولكننا في الباطن نعيش بألف وجه من النفاق والردح والنميمة، والروابط الاجتماعية التي تظن أنها (أقوى) ما لدينا هي بالجزم، وبلا تحيز، أسوأ ما لدينا لأنها تتحول إلى حفلات شتم وبغضاء وغيبة. الذي لا ينحاز إلى مدرسة فكرية هو بالضرورة جاهل لا يقرأ. الذي لا ينحاز إلى موقف هو بالضرورة جبان، والذي لا ينحاز إلى رأي هو بالجزم متردد ضعيف الشخصية. كل الأشياء التي خلقها البارئ المصور أو جلها كانت منذ زوجين أو صورتين متقابلتين ولكن: من هو الذي استوعب هذه الفطرة البدهية؟