ما الذي حرك أغبان التاريخ في اليمن، وأطلق نفير الفراعنة في مصر، ومرر شفرة النزوح المرجعي الشيعي من النجف وكربلاء إلى أيديولوجيا قم وأصفهان؟
كيف عبرت العواصف الجمة فضاءاتنا العربية، ولم تستشعر عن بعد أو تشملها النشرات الاعتيادية عن تقلبات الطقس؟
من فعل هذا برؤوس القوم الذين ترصع النياشين صدورهم وتسهر الجيوش لحماية ظهورهم وتُجبى الأموال الطائلة أو تنفق من أجل رضاهم؟
من أشعل الثقاب؟ صوت الحرية وشجنها الحبيب؟ أم أصفاد الكبت ومأثورات الاستبداد؟
وهل هدأت العاصفة واستتبت أوضاع الشعوب الثائرة وبلغنا مرحلة التقويم والمراجعة؟ أم ما تزال عوامل التوتر والاندفاع ذاكية ومتواليات البركان دائبة الحمم؟ وثوراتنا ولادات خصب ورعب؟
وبعبارة أكثر دقة.. إن كان قد حدث متغيرّ جوهري في بلدان الربيع فما لونه وهل نحس طعمه أو نمتلك القدرة على ضبط إيقاعاته والتكهن بصيرورته إلى مسارات واضحة المعالم جلية الآثار معلومة النتائج..؟
وهل يتحول التغيير في واقع العرب إلى كماشة تروي حماقات إرادة لا تنتظمها رؤية.. ورؤية لا تتقدمها إرادة؟
ثمة ما يبعث على حيرة لا يشفي غليلها غير التيه.. إن لم أقل الجنون..
حيرتنا تجاه ما حدث، وعجزنا الكامل عن الشعور بالاطمئنان لنتائجه.. يستغرقنا التأمل ولا نطيق حراكاً.. وفي المثل "كل الطرق تؤدي إلى روما"، والمسالك جميعها تستصوب الحريق أو تنتشي بكثبان اللهب ونيرون لم يمت وإن حاول السياب إثبات انتحاره مندحراً من عاصمته وهي (بعينيها تقاتل, وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل).
صحيح.. أعذب الشعر أكذبه.. وإلاَّ فما وزن نيرون قياساً بحاكم يقضي مراهقاته فوق أكوام الجثامين المحترقة وينسج بطولاته الخرافية وسط برك الدم.
حسناً، سنطلق الأهازيج لحظة سقوطه، ولسوف نجرد الضحايا من أكفانهم ليشهدوا مراسيم الخلاص من المأتم الآثم.
لكننا، وقد مضت فينا سنن الثورات الوصيفة، نخاف القهقرى ونخشى المآلات المماثلة لـ (رب يوم بكيت منه فلما.. صرت في غيره بكيت عليه).
أن تحيا تحت وقع الألم من ديكتاتور وصل إلى الحكم، أو أُعدت سيناريوهات تنصيبه قبل ولادتك فتلك مسألة يحكمها التطبّع وقوة العادة وقد ينالنا السأم خلالها أو تتلبسنا غاشية موات تاريخية وتصبح المكابدة والمرارة مرضا نعانيه ونتعايش معه ونجيد الحمية للتخفيف من مضاعفاته، لكنه لا يحمل هول الصدمة الفاجعة التي تكتنف الشعور العام حين يباغتنا الربيع بأعراض شتاء قارس لا نحن معه موتى فنستريح ولا أصحاء فنعمل ونأمل, نفرح ونتطلع.. نتذوق الحياة بوصفها هبة الله للإنسان لا منحة يجود بها حزب أو يتسولها المجتمع من حكومة (الأوغارشيا) الثورية..
قل إن من حق القيادات التاريخية الاستمتاع بالتهام أكثر قدر من المكسرات.. لكن لماذا يتحول جيل الشباب الثوري إلى مطاحن تقدم للآباء مسحوقاً يحتوي فياجرا الثورة وفيتاميناتها الغذائية!
قديما، مثلت الثورات أوسع البوابات المشرعة أمام مكر التأريخ، وحديثا صارت الثورات خارج التأريخ، وغدت بعض نماذجها ملاءات تنزع من المستبد المخلوع ليرتديها مستبدون تنقصهم الخبرة ويستعيضون عنها بالثأر السياسي والقبلي والمذهبي والطائفي.
السؤال هنا.. إذا لم تكن مخرجات الربيع في عدد من بلداننا قادرة على الامتلاء بمضامين نهضوية حديثة، فما الذي حدث بالضبط وما الذي تعنيه الثورة تحديداً..؟
أهي انتقال السلطة من شخص لآخر أم تداول المهام من حزب شبه حاكم إلى حزب متعطش لبريق السلطة ومفاتنها؟
إن قراءتنا في المشهد العربي الثائر منه والمتسم بالتحيّن المترصد تبدلات المزاج الشعبي – هذه القراءة – تنبئ عن حاجة ملحة إلى مكاشفات جريئة تعف عن المهادنة والملق..
ولقد بات واضحا في غير ما بلد ربيعي، حجم الإدراك المتأخر لانكسارات الشباب العربي المعني بالمرور على قشرة الموز المـخصصة لانزلاق الـشعوب، أما المحتوى فيمضغ وفقاً لتعليمات الأصدقاء في البيت الأبيض وضواحي العواصم الأوروبية ومبعوثي العناية الانجـلوسكسونية، ولهذا يقتصر الصراع وتتوقف عجلته أو تدور على مقاليد السلطة، فهي محور التحول وفي سبيلها يضحي الحاكم بعشرات الألوف من أبناء شعـبه، كما هي المحرض الأول على تصابي المعارضة وهوسها المتخفي وراء احتقان الجماهير وعفويتها الثورية.
ويوم تكشف حكومة ثورية عجزها عن إطلاق المعتقلين في أقبية النظام السابق، فإن الثورة تكون على وشك الانضمام لذات المصير، وإن تبدلت مقامات شاغلي السلطات العليا أو دهمت (الأوغارشيا) الانتهازية أهداف الثورة واستحوذت على عقل المجتمع وعزفت النشيد الفرعوني (ما أريكم إلا ما أرى).
فمتى ينبلج صبح التغيير العربي دون وسائط حزبية أو دماء..؟ ومتى يتوقف شغف الأصدقاء بوطننا العربي كمحمية لتجاربهم؟