لا أظن أن هناك شخصية تفقد حسها الذوقي، وجاذبيتها المعرفية من خلال لقاءاتها الجماهيرية أكثر مما يفعله الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم، فكل ما فيه فوضى وكل ما فيه عبث ونزق وطيش وانحدار وانتهاك لكل وشائج الوقار واحترام الآخر، فالرجل محاصر بدوي الطبول وقرع نحاسيات الإعجاب كشاعر للثورات المصرية كما يقولون، وكملاحق ومطارد من كل العهود السياسية من عصر الملكية إلى عهد مبارك، ولكن هذا التاريخ النضالي لا يبرر حماقاته وبشاعاته واستخفافه بالأنظمة والشعوب التي لا تعجب مزاجه المتسلط، وتفكيره الملفوظ ومطارحاته المحتقنة ولغته المغسولة بالوحل ومزاريب السواد.
لقد أوغل الرجل وتمادى في شتيمة بلادنا فظن ذلك العجوز الضال والمختل أن صمتنا عجز ومهادنة، ولكنه الصبر الراشد على مثل هذه الكائنات المريضة، فعسى ذلك الحقد العصابي المضطرب يتعافى ويخرج من أقبيته وضغائنه ليتطهر ويغتسل بأنوار العقل ومصابيح اليقين، لا نعرف سر ذلك التشنج والتوتر الذي يصيب (نجم) عندما يتحدث عن السعودية، فتشم في حديثه رائحة البلادة والسذاجة والزيف والأكاذيب المغلفة والصياغات المخادعة وترسبات الوعي النفعي والبعد المتعالي والذاتانية المتورمة والخطاب الملتوي واللابريء.
إن ذلك القنفذ البشري يمر بعد عامه الثمانين بالضمور القسري والقطيعة المعرفية عما حوله والمنطق الرغائبي العاجز، فهل يصدق عاقل أن السعودية تتحايل على (نجم) كما يقول لكي يقوم بأداء فريضة الحج ولتسعد بزيارته ولكنه يرفض وبشدة، وكأننا تركنا (مليار ونصف المليار) مسلم على وجه المعمورة ليكون همنا إقناع (نجم) بأداء الركن الخامس في الإسلام! ويبدو أنه أورد تصريحه السابق وهو في خلوته المشهورة في (حوش قدم وأمام علبة دخانه الأزرق وعود صديقه الضرير الشيخ إمام).
قدم مخرج مصري فيلما سينمائيا عن حياة (نجم)، معتقداً أن الشعب المصري سيهب بملايينه ويزدحم أمام صالات العرض، ولكن الشعب المصري أنبل من ذلك، فلم يذهب ليرى ذلك الغثيان المتهافت والمشحون بمشاهد الجنس المتسقة مع حياة (نجم)، مما أدى إلى سقوط الفيلم وإصابة الشاعر المشهور بالإحساس والصدمة العنيفة، وعند سؤاله حول فشل العمل وضعفه وهل كان لمشاهد الجنس والعري أثر في سقوطه؟ فقال: (الحياة هي الحب والجنس، ومن الطبيعي أن يكون الجنس سر البشرية وسر استمرارها، ومن الطبيعي أن يتواجد الجنس في حياة الشاعر فلماذا يرفض هؤلاء المتخلفون مشاهدته؟).