هل مناهج التعليم في العالم العربي عامة، سبب ما نحن فيه من تخلف، وعدم استقرار؟ وهل هذه المناهج، قابلة للتعديل والتغيير، قبل أن ننادي بالإصلاح السياسي، في كثير من الدول العربية؟ وهل يمكن أن يتم الإصلاح السياسي، قبل إصلاح المناهج التعليمية؟ وللإجابة على السؤال الأخير، نقول إن الزعيم الأفريقي نيلسون مانديللا أكد في رسالته عام 2011 للثوار العرب أن الإصلاح يجب ألا يعني قيام ثورة تهدم القديم فقط، ولكن يجب أن يعني قيام ثورة تبني الجديد أيضاً. فالهدم سهل، أما البناء فهو الصعب. ومن هنا نقول، إن الثورات التي حدثت في العالم العربي منذ نهاية 2010-2012، يجب ألا تقتصر على تغيير الأنظمة السياسية، بقدر ما يجب أن تؤكد تعديل المناهج الدراسية تعديلاً يتناسب، ويلبي احتياجات العالم العربي.

فألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم تكتفِ بإسقاط النظام النازي واستبداله بحكم ديمقراطي حر، وبتحطيم جدار برلين، وضمن الألمانيتين (الشرقية والغربية) في ألمانيا الموحدة، وإنما قامت بمراجعة شاملة لمناهج التعليم، ووضعت مناهج تعليمية تمكنها من صدارة الصناعة والتقدم الأوروبيين. فأصبحت ألمانيا على النحو الذي نراه الآن، ليس بفعل نظام حكم ديمقراطي فقط، ولكن بفعل مناهج تعليمية، نأمل أن يتم التعرّف عليها، والتعاون معها، بعيداً عن الإيديولوجيات المختلفة، لكي نستفيد من التجربة الألمانية في التعليم، وننهض من كبوتنا كما نهضت ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، وسحق النازية الدكتاتورية.

قيم المجتمع، التي يشير لها عنوان هذا المقال، لا تقتصر فقط على الفضائل الكلاسيكية التقليدية المعروفة كالصدق، والأمانة، والإخلاص، والاستقامة.. إلخ. وإنما تضم أيضاً القيم الاجتماعية الجديدة التي طرأت على الحياة العربية، ومنها عدم سرقة المال العام والمحافظة عليه، والقضاء على البطالة، أو التخفيف من نسبها العالية، والحد من انتشار الرشوة، والحد من انتشار المحسوبية، واحترام قيمة العمل وخاصة المهني منه، واحترام الرأي الآخر.. إلخ. وهذه القيم لن نستطيع ترسيخها في المجتمع العربي إلا عبر مناهج تعليمية، لكي يأخذها الطلبة مع الطعام والشراب، وتصبح من مكونات حياتهم وتفكيرهم، وهو ما قامت به التجربة التعليمية الألمانية الرائدة، بعد الحرب العالمية الثانية، ونجحت في ربط المناهج التعليمية بالقيم الاجتماعية الجديدة.

إن الربط بين إصلاح التعليم والقيم الاجتماعية، يستدعي منا السؤال التالي:

- ما هو هدفنا في الحياة، وما المجتمع الذي نتمنى أن نعيش فيه؟ فهل هدفنا في الحياة، التوسُّع في التعليم الجامعي، وتخريج أكبر عدد من الشباب من الجامعات والمعاهد العليا؟ يبدو أن الأمر كذلك الآن في العالم العربي. لذا، رأينا في السنوات الأخيرة - وفي معظم الدول العربية - هذا التزاحم الكثيف والقوي على التعليم الجامعي. وهي ظاهرة يفسرها علماء الاجتماع وعلماء التربية والتعليم، بأنها "انعكاس لقيم تحتقر العمل اليدوي، أو لمهن ذات طابع عملي بحت، وتعبر عن تطلعات اجتماعية وقيم اجتماعية، يُرضيها ويُقنعها ذلك الاستقرار، الذي تحققه الوظائف الممنوحة للجامعيين، فضلاً عن ارتفاع المستوى الأدبي الذي يضيفه اللقب الجامعي على صاحبه. فكان المجتمع العربي ـ كما قال عالم الاجتماع السوري/الأميركي حليم بركات، في كتابه المهم "المجتمع العربي في القرن العشرين" ـ مجتمعاً يُنتج ويحترم القيم الاجتماعية الجديدة، ويعمل على سيادتها، التي من بينها رفض والد الفتاة زواج ابنته من زوج مهني (نجّار، سبّاك، بنّاء، حدّاد، كهربائي.. إلخ)، وتفضيل ضباط الجيش، وموظفي الحكومة، وخريجي الجامعات، على هذه الفئات.

ومن الملاحظ، أن في العالم العربي الآن أكثر من 150 جامعة، بينما لا يوجد في العالم العربي أكثر من 20 معهداً للتعليم المهني، وذلك بفضل القيم الاجتماعية العربية التي حوَّلت الكثير من المعاهد المهنية إلى جامعات نظرية، أصبح خريجوها يملؤون أرصفة الشوارع العربية والمقاهي والأندية الاجتماعية، وأصبح العالم العربي بالمقابل، يستورد الآلاف من العمال المهنيين.

إن إصلاح التعليم لا يعني فقط تغييراً في بعض المناهج، التي تتعارض مع الواقع المعاش، ولكنه يعني أيضاً أن نقوم بكل حزم وشجاعة، في تحقيق التالي:

1- الابتعاد عن الحفظ عن ظهر قلب. والابتعاد عن أساليب الاستظهار الحرفي للمعلومات، دون فهم أو اقتناع. وعدم ربط هذا الأسلوب في التعليم بالاستعمار. فنحن عرفنا مدارس التحفيظ والاستظهار الحرفي، قبل الاستعمار بقرون طويلة.

2- إلغاء الطريقة التقليدية بالتعليم؛ أي أن يكون الأستاذ هو المرسل فقط (القطب الموجب)، والطالب هو المتلقي فقط (القطب السالب). وكانت هذه الظاهرة من ضمن أسباب اندلاع الحركة الطلابية في فرنسا، والمعروفة بثورة مايو عام 1968.

3- إلغاء الوصاية القروسطية على عقول الطلبة، والسماح لهم بالتفكير الحر، والجدل الحر، وقبول ما يقتنعوا بصحته، ورفض ما يخالف قناعاتهم.

4- وأخيراً، ملاحقة المناهج الدراسية لمستجدات العصر. فمن الواضح الآن، أن هناك تسارعاً متعاظماً في تدفق وتغيُّر المعلومات. وفي كل يوم تأتينا معلومة جديدة عن شأن ما. ومن الملاحظ أن بعض مناهجنا الدراسية قد مضى على وضعها وتدريسها سنوات طويلة دون تعديل، وقد أصبحت من الماضي، ولا تسد فراغاً علمياً في عقل المتلقي. كما أصبح بعضها غير صحيح، ويحتاج إلى مراجعة. فقد تمَّ تصحيح الكثير من المعلومات في الواقع العملي، دون تصحيحها في المناهج الدراسية. ونحن إذن، في هذه الحالة، نُلقن أبناءنا معلومات غير صحيحة. ولا تتطابق مع الحقائق التي يقرأها هؤلاء الأبناء على شاشات الإنترنت كل يوم.