بعيداً عن كرسي الإفتاء والجدل الفقهي، فيما يتعلق بتمثيل أو تجسيد الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ وللخروج من هذا الخلاف المحتدم بين (المع) و(الضد) فإن الحل الوحيد المتيسر هو في التجسيد بطريقة التمثيل بالصور المتحركة (Animation)، لا سيما أن الواقع يبين أن السنوات الأخيرة أثبتت مكانةً عالية، وطفرة نوعية عالمية لأفلام الرسوم المتحركة، خصوصاً بعد أن أدخل عليها تقنية الأبعاد الثلاثة (3D).

وللمزيد من الإضاءة حول كيفية تطبيق هذه الفكرة، وحسب المختصين يقوم الرسامون برسم الأشخاص المراد تمثيلهم يدوياً أو مصطنعة بالحاسوب، بناءً على الأوصاف المذكورة في الكتب، ثم يتم تحريك الرسوم وعمل التأثيرات عن طريق برنامج محاكاة الحركة، الذي يقوم بحل معادلاتٍ كثيرة لحركة الأجسام، ويتم رسم خلفيات المشاهد والبيئات، وإضافة التأثيرات والظلال، وفى النهاية تتم معالجة كل الفيلم أوالمسلسل دفعة واحدة، حيث يقوم حاسوب مركزي بمعالجة كل المعادلات الخاصة بالرسم والتحريك، وإضافة التأثيرات لإنتاج لقطة واحدة تساوى 24/1 من الثانية للفيلم بجودة عالية، وتأخذ العملية 6 ساعات لإنتاج هذه اللقطة، ولعمل ثانية واحدة يتم معالجة 24 إطار لتكوين نسخة إلكترونية من المسلسل، وفي النهاية يتم تحويل وطباعة النسخة الإلكترونية ليتم العرض على الشاشة لاحقاً.

فمثلاً جاء في أوصاف سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الخَلقية في الكتاب الموسوعي الكبير (الإصابة في تمييز الصحابة) الذي ألفه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، وضمنه ذكر شيء من أخبار الصحابة وسيرهم: "أن ابن أبي الدنيا أخرج بسندٍ صحيح عن أبي رجاء العطاردي أنه قال: كان عمر طويلاً جسيماً، أصلع أشعر، شديد الحمرة، كثير السبلة في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خفة. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند جيد إلى زر بن حبيش قال: رأيت عمر أعسر، أصلع، آدم، قد فرع الناس كأنه على دابة، قال: فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر فقال: سمعنا أشياخنا يذكرون أن عمر كان أبيض، فلما كان عام الرمادة وهي سنة المجاعة ترك أكل اللحم والسمن، وأدمن أكل الزيت حتى تغير لونه، وكان قد احمرّ فشحب لونه".

وروى الدينوري في المجالسة عن الأصمعي عن شعبة عن سماك: "كان عمر أروح كأنه راكب والناس يمشون، قال: والأروح الذي يتدانى عقباه إذا مشى". فتحول جميع هذه الأوصاف بالطريقة المذكورة سابقاً فتظهر لنا صورة تخيلية حقيقية، وفي نفس الوقت غير ملموسة، وينتهي بذلك قول: "إن غالب الممثلين سقطٌ من الناس، ليس للصلاح والتقوى أي مكان في حياتهم العامة، ولا للأخلاق الإسلامية والعربية أي محل في دائرة أخلاقهم، ولا للقيم الإنسانية أي اعتبار عندهم، وأنه إذا تقمص أحدهم شخصية صالح أو نبيل أو شهم أو عفيف أو جواد، فذلك لأجل ما سيتقاضاه ثمناً لذلك، وما يلبث أن يعود إلى سيرته الأولى ضاحكاً لاهياً ساخراً معرضاً عن الجوانب المشرقة التي مثلها".

أخيراً.. هنالك نظرة خاطئة حول أفلام الصور المتحركة، حيث يعتقد البعض أنها مخصصة لفئة الأطفال فقط، والحقيقة التي يعرفها أهل الخبرة والدراية أن أفلام الصور المتحركة موجهة لكل الفئات، لاحتوائها على ما يناسب الجميع. ومن أجل الاتعاظ والاستمتاع بالسيرة، لا بد أن يفكر العلماء في العصر وواقعه، ويبذل التجار في سبيل ذلك من أموال الله التي موَّلهم إياها.