على الرغم من الغثاء الكثير الذي تزدحم به وسائل التواصل الاجتماعي مثل "واتس أب" و"تويتر" و"فيس بوك" إلا أنها أسهمت وبشكل كبير في نشر ثقافة الصورة "الوثيقة" بين فئات اجتماعية لم تكن تلقي بالا لهذا الفن، ولا تعرف عنه إلا صورة "بطاقة الأحوال الشخصية".

حيث بدأ الجميع يشاهد يوميا عشرات الصور القديمة والحديثة التي يعتبر بعضها بمثابة وثيقة تاريخية مهمة تشهد بكل شفافية على مراحل مختلفة من تاريخ المدن والبلدان. بل إنني لا أبالغ إن قلت إن بعض ما يصلني بين حين وآخر على "واتس أب" يمكن اعتباره ضمن النوادر التي قد لا يملكها إلا عدد محدود جدا من الباحثين الجادين، ومع ذلك بعد ساعات قليلة تجدها لدى المئات وربما الآلاف من البشر. وبعيدا عن قضايا الملكية الفكرية التي قد تنتهك بأساليب كهذه؛ إلا أن مجرد التفكير في أهمية تنظيم وجمع بعض الصور والوثائق النادرة وجعلها في متناول الجمهور المتعطش لها، من خلال جهات ثقافية مثل وزارة الثقافة والإعلام أو الهيئة العامة للسياحة والآثار أمر أصبح ملحا.. خصوصا إذا جاء الحفظ والتوثيق والعرض على شكل معارض دائمة، ليست على وزن معارض "الوجبات السريعة" التي نشاهدها في المواسم السياحية. فبعض تلك المعارض مجرد اجتهادات شخصية وعشوائية بسبب السباق مع الزمن الذي يمثل عامل تحد كبير لها، لأن الفكرة قد تطرح ضمن البرنامج السياحي اليوم ويبدأ تنفيذها بعد يومين!

قد يقال إن المتاحف العامة والخاصة التي توجد في بعض مناطق ومحافظات المملكة تقوم بالمهمة في أغلب الأحيان، وقد يكون هذا صحيحا ولكن بشكل نسبي ومحدود، لأسباب كثيرة منها أن المتاحف الخاصة ما زالت في طور الهواية الشخصية والاتجاه الفئوي المحدود الذي قد يكون الهدف منه التنافس المناطقي أو القبلي، مما يؤثر على جودة وأصالة ما يتم عرضه، أما المتاحف العامة فهي محدودة العدد جدا وكثير منها ما زال تحت الإنشاء ويحتاج إلى سنوات عديدة حتى يتم تجهيزه بالمعروضات بشكل احترافي.

لذلك أعتقد أن من مسؤوليات أمانات المناطق بالتنسيق مع "الثقافة والإعلام" و"الهيئة العامة للسياحة والآثار" إيجاد مقار لمعارض فوتوجرافية دائمة في كل مدن المملكة، تحكي تاريخ تلك المدينة بالصورة النادرة جدا منذ أقدم عصر أمكن الحصول منه على أثر تاريخي مادي يمكن تصويره، وحتى الوقت الحاضر، حيث إن وجود معارض كهذه سيغني الناس عن عشرات المؤلفات الأكاديمية التي تبقى حبيسة الأدراج، ويكون أبلغ شرح لأي زائر أجنبي أو محلي عن تاريخ وحضارة المكان، وفي الوقت نفسه سيوفر حماية للملكية الفكرية (عندما ينسب كل عمل لصاحبه الحقيقي).