في الإعلام الأمريكي الذي يرفع لواء حرية التعبير المتحررة من قيود الحجر والقمع وتكميم الأفواه، للإعلامي والإعلامية أن يرفعا صوتيهما مصرحين برأيهما في كل شيء تقريبا، ولكن حذار من الاقتراب من أسلاك إسرائيل الشائكة، أو إبداء تعاطف من نوع ما مع الفلسطينيين أو مع أحد رموز المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية! وتهمة معاداة السامية جاهزة لكل من تسول نفسه مقاربة (التابو) اليهودي، لذا الويل ثم الويل لمن يجرؤ على تجاوز المحظور! وليس للإعلامي أو الإعلامية حق التصريح بالرأي حتى لو كان ذلك على الموقع الشخصي على شبكة (توتير) ـ على سبيل المثال ـ، كما حدث مع (أوكتافيا نصر)! وكان يجب عليها أن تطوع حديث نفسها ليوافق سياسة المؤسسة الإعلامية التي تعمل فيها، ومن ثم تنقية نفسها وتطهير دواخلها من أية مشاعر منحازة لما تعتبره الشبكة الإعلامية التي تعمل بها مخالفا لتوجهاتها! ولإسرائيل عيون ترصد الهسيس الإلكتروني حتى لو كان على الصفحات الشخصية بعيدا عن أروقة الممارسة المهنية! ولمنظمة Honest Reporting المعنية بمراقبة الميديا ورصد أية مقولات معادية لإسرائيل عيون خفية، تكشف المستور وتمد أياديها الأخطبوطية حتى إلى المواقع الشخصية الاجتماعية، لتقف بالمرصاد لأوكتافيا وغيرها من المتجرئين على الحصانة الإسرائيلية!
كانت جريمة (أوكتافيا) أنها وضعت عبارة من 140 كلمة تأسف فيها على رحيل السيد محمد حسين فضل الله وتصفه أنه أحد رجال حزب الله العمالقة، وهنا كان لابد من وضع حد لحياتها المهنية، واجتثاث رأيها من كوامن موقعه الافتراضي الشخصي، ثم إبرازه للملأ لتصبح أوكتافيا بين ليلة وضحاها فاقدة للمصداقية المهنية في شؤون الشرق الأوسط، لا ترتفع لمقاييس قناة CNN العالية الجودة! لا سنين العمل العشرين التي عملتها في القناة، ولا الجوائز التي حصدتها، ولا منصب مديرة التحرير شفع للصحفية الأمريكية من الأصل اللبناني جريمتها التي لا تغتفر، وكان عقابها الرادع هو النفي والإخراج من جنة موقعها الوظيفي!
قضية (أوكتافيا نصر) تطرح عددا من الأسئلة عن حرية التعبير في زمن الفضاءات المفتوحة والمدونات الشخصية، وهل يحق للمؤسسة الإعلامية الحجر على رأي موظفيها ـ بعيدا عن ممارستهم المهنية ـ في قضية تعتبرها مخالفة لتوجهاتها؟! وهل رأي الصحفي أو الإعلامي على موقعه الشخصي محسوب على المؤسسة الصحفية المنتمي إليها؟! وألا يقوض هذا الارتهان الجبري لتوجهات المؤسسات الإعلامية مبدأ حرية التعبير في زمن انفتاح الآفاق، ويعود بحرية الرأي ارتجاعيا؟!
ومن هيلين توماس إلى أوكتافيا نصر، تُغتال حرية التعبير التي ترفع أمريكا لواءها وتنصب نفسها حامية لحماها، وسلم لي على ازدواجية المعايير!