الوسطية في المفهوم العام ليست كما يذهب إليها البعض على أنها الوقوف في المنتصف بين أمرين فقط. فذلك فهم قاصر لا يخرج عن نطاق سطحية النظرة إلى المصطلح، يودي بوعي الوسطية إلى خارج أسوار مفاهيمها ومقاصدها الأخلاقية النبيلة، وبالتالي الوقوع في قلق الحالة النزقة للمعنى والمفهوم، وابتعاد عن حلم التطبيق وهو النهاية المنطقية، لأن ذلك في الواقع ليس إلا التعريف اللغوي الصرف لها، ومما يذهب إليه التعريف اللغوي وصف الشيء الواقع بين الجيد والرديء. وفي غمرات ذلك لن نتوصل إلى تفاصيلها الحقيقية بالتأكيد. كما أن الوسطية ليست تكتيكاً سياسياً أو دينياً أو اقتصادياً، بل إنها تتعدى ذلك بكثير، كونها مجموعة من المفاهيم الإنسانية الأخلاقية المتسامحة، تشكل في وعيها تحالفاً تضامنياً صرفاً مع آلية العمل التطبيقية. وأي خلل في ذلك التحالف الضمني سيؤدي إلى انهيار بنية النسق التطبيقي بالكامل كنتيجة حتمية قطعاً. والوسطية أيضاً ليست ميثاقاً محتملاً بين ثقافات أو مجتمعات أو أفراد فقط، ولكنها تظهر في شكلها العام كإستراتيجية ثقافية اجتماعية كاملة وأسلوب حياة، تضم في وعيها كل المفاهيم الإنسانية الأخلاقية النبيلة، التي تحمي البنية الرئيسية لكيان المجتمع الإنساني وترابطه، ولينعكس تطبيقها حتى على غير الإنساني أيضاً. ولا تنطلق الوسطية في مفهومها من الاحتمالات أوالاجتهادات الجدلية، بقدر ماتعتمد على الفهم المطلق للثوابت والمعايير الاجتماعية الواعية لتحقيق ذاتها وأهدافها. فالوسطية إذن مذهب فكري مُدرك وواثق من أدواته ومنظومة أسسه ـ غير المتطرفةـ وأبعادها التنويرية. نائية بنفسها عن مأزق الفكر الإقصائي، ونزق التحركات الفردية، وقبح التقرير الفوقي المتعالي على واقعه. وبرأيي فإن أهم العوامل التي أدت إلى عجز تواصل العقل العربي مع أطروحات مذهب الوسطية الفكري تاريخياً، يكمن في عدم القدرة على إطلاق العنان للعقل لتقرير ماهية الدور الذي يمكن أن يلعبه الفكر الوسطي في محيطه وحتى خارجه أيضاً. وهي معضلة حقيقية بدينة بحجم الأزمة بالنسبة للعقل العربي تحديداً إزاء الوعي بماهية المصطلح ذاته قبل تطبيقاته. كما أن للموروث الثقافي والاجتماعي العربي الذي تزعمته لقرون ثقافة القبيلة المركزية، التي تقدس (العادات والتقاليد أكثر من الدين غالباً) دور في تضييق زاوية الرؤية الفكرية للكثير من المسائل والأطروحات الفكرية والأخلاقية –الزير سالم- أنموذجاً. وقس على ذلك نهج بعض التيارات الفكرية الدينية الإقصائية، التي اعتمدت مصطلحي (الحلال والحرام) بالقطعية وبتطرف فج غير متصالح مع الآخر، لتشكل سلوكها في المعاملات وطريقتها في رؤية ما ومن حولها – الخوارج، وبعض فرق الأشاعرة، وبعض فكر المعتزلة، وفكر تنظيم القاعدة وطالبان حديثاً- أنموذجاً. كيف لا وهي التي انتخبت نفسها بنفسها في بادئ الأمر، لتكون في نهايته هي الخصم والحكم معاً بموازاة المجتمعات المختلفة بأكملها. معيدةً إنتاج نفسها بصلف. وليرتطم العقل العربي مرةً بعد أخرى بجدار العصبية والإقصائية ارتطاماً مدوياً، فاقداً على إثره الكثير من قدراته الحسية والتخيلية التي تمنحه القوة على مجاراة الأفكار والأطروحات المعاصرة. فمصطلح الوسطية مثلاً الذي نحن بصدده يُنظر إلية في الذهنية العربية كتعريف أحادي أعرج، لايتجاوز ورقة تدوين الحدود والواجبات، وتلغيه كقيمة فلسفية أوتطبيقية، لها لغتها وقيمها الخلاقة المنصوص عليها في القرآن الكريم نفسه! وهذا ما يوضحه السرد الجدلي التاريخي لتصادم الطرح الفكري العربي مع بعضه البعض ـ حوادث ابن رشد مع عقلية الزعامات الدينية ـ مثلاً. وهو ما يتجدد كذلك على صعيد النقاشات الحالية الدائرة بين (النخب العربية المثقفة) بكل أشكالها وتوجهاتها، ونتائجها (المخيبة) التي تطالعنا بين الحين والآخر، إذ سرعان ما تنتهي تلك النقاشات كما بدأت دون تحقق أية مكاسب معقولة لحفظ ماء الوجه على الأقل. فمن الاتفاق حول قبول شكلانية المصطلح إلى الخلاف حول مفاهيمه وتطبيقاته. إلى استمرار حالة الجدل والتعثر على صعيد البحث عن نقاط توافقية تقريبية. ولأن الشريحة الأعرض من العقل العربي لا تتناول المصطلحات الفكريةـ كمصطلح الوسطية مثلاًـ إلا من منظور البعد الديني فقط، وتحسبه هناك لاغير. لنُدرك أننا أمام مأزق فكري حاد من شأنه تمديد غياب وعي العقل العربي. فصلب الدين الإسلامي ـ على وجه الخصوص ـ يفرض المنهج الوسطي بكلّيته ولا يختلف اثنان على ذلك. بيد أن الخلاف هو في محاولة تبني فرض نظرة دينية بعينها للأمر، ورفض قبول ما سوى ذلك! مما يبتعدها عن منهجية البحث المعرفي الواعي المنظم، حتى وإن أكسبت نفسها (شرعية معرفية) أكبر من حجم ذهنيتها المحاصرة بسياج الفكر الأحادي. الذي لا يتماهى بواقعية مع فضاءات البعد الفلسفي لمصطلح الوسطية! لأن آليات التطبيق التي يريدها المصطلح ويزكيها المفهوم، غير واضحة وتكاد تكون غائبة تماماً. فعلى الرغم من أن أحد أهم تعريفات الوسطية هو الاعتدال وما عداه ميل، إلا أننا ما زلنا نراوغ التطبيق بشكل يدعو إلى الإحباط والسخرية.