تخيّل وقد خرجت من استشارة طبية مهمة لأحد الأطباء ذوي الحضور الإعلامي المكثف، ثم اكتشفت بطريقة أو بأخرى أنه ليس بروفسورا أو حتى حاملا لشهادة الدكتوراه، كما كان يدعي في تعريفه لنفسه، أو ما طبع على عيادته، وللأسف هذا الموقف يتكرر كثيرا، خصوصا وأن شريحة من الممارسين الصحيين أضحت تسبغ على نفسها ألقابا ومسميات علمية لا تستحقها.

ظاهرة الألقاب والمسميات العلمية غير الحقيقة، أو غير المعتمدة على الأقل؛ تجاوزت الممارسين الصحيين في القطاع الصحي الخاص إلى أن وصلت إلى نظرائهم في القطاع الحكومي، وتلك مصيبة عظيمة، فهي في البداية كذبٌ وتدليس على المريض، ثم انتهاك صارخ للأمانة العلمية وشرف المهنة، فضلاً عن المنافسة غير الشريفة.

للأسف، فإن تلك الموجة المتزايدة من الادعاءات أمست ممارسة مقبولة، فكما هو معلوم فإن الحاصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة "علم ما" هو من يجب أن يحمل لقب "دكتور"، طبعا في مجال عمله المهني فقط، وليس من يحمل شهادة البكالوريوس فقط.

في المجال الصحي بذلت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية جهودا أقل من المطلوب في تنظيم فوضى الألقاب العلمية، التي تمنح بناءً على شهادات ومعايير محددة، صحيح أن تلك المعايير تتغير عطفا على تغير أعضاء اللجان!!، والتي للأسف تصمم في بعض الأحيان بناءً على مصالح خريجي برامج أو دول محددة، ومن أشهر تلك الأمثلة هو معادلة الدرجة الجامعية للصيدلة (Pharm.D) في أمريكا لمن أنهى تدريبا في مركز أو مستشفى معترف به لمدة سنتين بدرجة الدكتوراه بحيث يحصل على مسمى: "استشاري صيدلة"!، ورغم أن أغلب كليات الصيدلة في المملكة في وقتنا الحاضر تخريج طلابها بنفس الدرجة العلمية، ولكن للأسف لا يتم معادلتهم بنفس الدرجة، حتى لو أمضى مدة تدريبية مماثلة، وهذا الأمر إجحاف صارخ، لكنه كان متوافقا مع مصالح البعض ممن ابتعث قبل سنوات طويلة.

أما على مستوى ممارسة مهنة الطب، فالساحة متخمة بالاستشاريين ومدعي شهادات الدكتوراه، فمن المعلوم أن أغلب الأطباء لا يحملون سوى الشهادة الجامعية في الطب، ويحصلون على درجات "النائب الأول" و"الاستشاري" بعد إنهاء متطلبات الزمالة وزمالة التخصص الدقيق في عدد مختلف من السنوات، تترواح ما بين 3-9 سنوات بشكل إجمالي، دون أن يتخللها دراسة أكاديمية بالمعني العلمي المباشر، ودون رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه، وهو ما يتعارض مع إطلاق مسمى: "دكتور" على الطبيب، ولكنها للأسف بضاعة استوردنها من أشقائنا الأعزاء في مصر، ومن الطريف ملاحظة أن الأهل والأصحاب يبدؤون بإطلاق مسمى "دكتور" على ابنهم طالب الصيدلة أو الطب منذ اليوم الأول لالتحاقه بالسنة التحضيرية!... جاء "الدكتور" وذهب "الدكتور"!، وفي نهاية الأمر يصدق الفتى أنه "دكتور" وأن هذا هو لقبه الحقيقة، بل إنه لا يرضى سوى بمناداته بهذا اللقب!

وفي هذا المجال لي تجربة شخصية، تخلص مفهوم المجتمع تجاه تقديس الألقاب، مما يؤدي إلى بحث الأفراد عنها بأي طريقة كانت، وهي أنني بحكم عملي في إحدى الهيئات الحكومية، أتولى نشر بعض التصاريح الصحفية، والتي تظهر في بعض الأحيان تحت مسمى "دكتور" على الرغم من تأكيدي للصحفي أن مسماي الذي أعتز بها هو "صيدلي"، ولكن الإعلام في نهاية الأمر جزءٌ من منظومة المجتمع، التي تعشق هذا اللقب، مع أنني أفخر بلقبي العلمي في مجال عملي فقط، ولا استخدمه في أماكن أخرى، كما في الكتابة الصحفية مثلا، من جانب آخر تتميز المستشفيات العسكرية بكونها الوحيدة في المملكة التي تعتمد المسمى العلمي الصحيح للضباط من الممارسين الصحيين، فتجد فلانا "عميد طبيب"، والآخر "عقيد صيدلي"، وهكذا تجد آخر "رائد دكتور"، وهو الحاصل على شهادة الدكتوراه، وهذا قمة العدل والحفظ للحقوق والجهود، أما الأكثر طرافة فهو إضافة مسمى عضو الجمعية الطبية "الفلانية"، وهي جمعية تكتسب عضويتها بمجرد دفع الرسوم السنوية فقط، ولكن "المريض" يتوهم أن تلك الجمعية شيء ما، وأن العضوية حصرية على ذوي التعليم العالي أو المهارات المميزة!

هوس الحصول على لقب أو مسمى قاد إلى ازدهار تجارة الشهادات الوهمية، أو عبر الإنترنت، وهذه التجارة مخاطرها في المجال الصحي أكبر، وأكثر ضررا، سواء على مستوى رعاية المرضى، أو حتى على مستوى المنظومة المهنية، فالبعض ترقى وظيفيا في جهة عمله، دون معادلة من جهة الاختصاص وهي وزارة التعليم العالي، نظرا لأن الوزارة لا تعتمدة الجهة التي حصل على الشهادة منها لأسباب كثيرة، ويتم التحايل على ذلك بتشكيل لجان داخلية تقوم بالمعادلة والموافقة على الشهادة الفارغة، مما يؤهل حاملها للترقي، بل والحصول على لقب أعلى دون وجه حق، لتجده بعد فترة قد اقترن اسمه بلقب "الدكتور"، ليمسي المفتي العام في إدارته أو جهة عمله مع مرور الوقت.

يقع على عاتق الهيئة السعودية للتخصصات الصحية دور كبير في دراسة آلية منح الألقاب العملية، وضرورة مراجعتها بحيث تكون عادلة ومناسبة للجهد المبذول، فضلاً عن دور مديريات الشؤون الصحية بمناطق المملكة في الرقابة على العيادات والمستشفيات للتأكد من ألقاب الممارسين الصحيين، فضلا عن رصد إعلانات المستشفيات الخاصة عن استشاريهم، بحيث تكون المسميات كما هي في شهادة المعادلة وترخيص الممارسة، وهي خطوة وإن كانت صغيرة، لكنها مهمة في الحفاظ على مصداقية المنظومة الصحية كلها.