يطل علينا بعد بضعة أيام مهرجان عكاظ المنتظر الذي يعيد إلى الأذهان الطقس العربي الأصيل والذائقة الشعرية التي تكاد تتلاشى باعتبار عوامل التغير الحياتي والانغماس في دهاليز العوالم الافتراضية المرافقة لثورة التقانة، تحتفي الطائف باعتبارها مظنة ذلكم الحراك وجوهر وجوده الزماني والمكاني؛ ليعود بجهود المخلصين وعلى رأسهم سمو أمير منطقة مكة المكرمة مركز إشعاع ثقافي وفكري وإبداعي يجتمع المثقفون حوله، ويسير الناس بشتى فئاتهم في جادته نافذين بنظرة ماضوية ماتعة إلى ما كان عليه أجدادهم الأوائل من العرب الأقحاح معيشة وصراعا وسيادة.

ويتخلل هذه التظاهرة الكبيرة عمل مسرحي كبير كذلك، يُركز فيه على إبراز شخصية شعرية جاهلية مرموقة من شعراء المعلقات "سبعا كانت أم عشرا" من خلال إسناد كتابة النص إلى كاتب مسرحي من ذوي الحرفة والاشتغال المسرحي ليقدم النص تارة أخرى إلى مخرج له رؤيته البصرية الخاصة التي يعمل من خلالها على استنطاق كوامن النص وحقنه بمشاهد الإبهار، وذرى التشويق والتماهي مع منعطفات حياة الشاعر الرمز، فتكون لدينا رؤيتان أو معالجتان لأنموذج تاريخي متفق على سيرته وفعله إلى حد كبير، وهذا في رأيي يحدّ كثيرا من الوصول إلى جودة العمل المبتغاة في مثل هذه المهرجانات، خاصة أن الفعل المسرحي منتظر عند شداة الفن والأدب، فالكاتب مهما كان موضوعيا إلا أنه لن ينفك عن رؤاه الخاصة وثقافته ومنطلقاته في معالجة نصه، والمخرج في المرحلة التالية سينحاز إلى نصه المرئي وأدواته الفنية التي تؤكد فكرته المشهدية مهما كان ثبات الشخصية تاريخيا.

والرأي في ذلك أن يكون لمسرح عكاظ ورشة عمل تضم باحثا تاريخيا، وكاتبا مسرحيا، ومخرجا إضافة إلى مجموعة الفنيين من ذوي العلاقة اللصيقة برسم الشخصية كفني السينوجراف وغيره، حيث ينطلق الجميع من رؤية مشتركة ومتقاربة نوعا ما يخرج العمل بعدها إلى النور مستندا إلى الوحدوية الأدبية والفنية وليس تعدد القراءات، فالمهرجان يقدم الشخصية كما هي في الذاكرة التاريخية ولا شأن له بما يسقطه الكاتب أو المخرج على الشخصية بحسب رؤيتهما للواقع السياسي أو الاجتماعي، فإن كان عنترة باحثا عن الحرية والقيم السامية عند نفر من المثقفين، فهو عبد لا يحسن إلا الحلب والصرّ عند آخرين، وهو كذلك عاشق مخلص عند من لا يرى فيه إلا الجانب الرومانسي الحالم.