عدد الأمراض التي أحصيت حتى اليوم أكثر من رمال عالج في اليمن، والربع الخالي في السعودية، وهي في ازدياد وتمنع وارتداد، ولكن مرض تعظم الجسم من أعجب ما يروي الطب عن غرائبه وأحجياته؛ ومثلاً فإن روجر تسوم فيلده من هامبورغ في ألمانيا أصبح له عشر سنوات لا يستطيع الجلوس وأمامه أمران إما وقف أو نام مثل قطعة متيبسة من الخشب.
أما جيني بيبر من ميشجان فقد تيبس فمها فلا تستطيع المضغ وثبتت يداها على صدرها مثل التمثال.
أما هاري ايستلاك من فيلادلفيا فقصته عجيبة فقد ولد عام 1933 ثم بدأ المرض في الترقي معه، حتى حوله إلى تمثال على قيد الحياة، ثم مات عام 1972 بالتهاب رئوي، وقال في وصيته أضع جثتي بين يدي الناس عبرة للعباد وتذكيرا بالصحة وخدمة للعلم؛ فجثته حاليا في المتحف يحدق فيها الأطفال بذهول، وهم يرون ليس هيكلاً عظميا كما هو في كل واحد منا بل جثة متعظمة.
وعجب المرض أنه ليس خبيثا بل يتحول كل ما يجرح أو يشق أو يخدش ولو كانت حقن إبرة تخدير عند طبيب الأسنان فبدلاً من أن يترمم كما يحدث عند كل واحد منا بل يتحول إلى عظم. وهو من النوع العادي تماماً. أي أنه عظم إذا انكسر انجبر وإذا حمل قسا وإذا ترك تعرض لرقة العظام وإذا قطع رجع فنما بأشد ضراوة من الأول عظما قاسيا كما في أي عظمة في الجسم.
واليوم أنشأت جيني بيبر جمعية أمريكية خاصة بالمصابين تضم حوالي 300 عضو من 42 بلدا، ولهم اجتماعاتهم السنوية، وهم يجمعون التبرعات للدكتور كابلان من جامعة فيلادلفيا الذي يجري أبحاثه على المرض.
ومن الغريب أنه اكتشف بمساعدة آخرين أن خلايا الجسم لها لغتها الكيمياوية الخاصة وهناك على الكروموسوم الرابع مكان خاص لإطلاق جين مسؤول عن بناء العظام بواسطة بروتين اسمه BMP4 وهذا معدَّل بواسطة بروتين آخر اسمه نوجين.
وفي البداية ظن الفريق أن المسألة بسيطة مثل زائد وناقص، ولكن تبين أن حلقة تنظيم ذلك فوق التصور، مثل تخثر وتميع الدم؛ فهناك سلسلة من المواد أخذت أسماء شتى مثل (صماد Smad) و(سمورف Smorf) و (ساني Sani) و(شنوري Shnorri) و(بامبي Bambi) وهي مثل أسماء الجن، وكلها تعمل مثل أوركسترا غناء لإخراج أعذب الألحان؛ فيستوي الجسم بين بناء وحل العظم.، وعدم الخطأ في إنتاج النسيج السليم في المكان السليم.
ويقول الدكتور ريشارد هارلاند من جامعة بيركلي في كاليفورنيا إنها لا تزيد عن الخطأ في تهجئة كلمة في التركيب الجيني، ولكنها كافية ومثلا فكلمة (فكر) إذا غيرت مكان حروفها فيمكن أن تصبح (كفرا)!.
أو في الجسم أن يتكرر الطبع فيصبح اللحم عظما.. وعظما فقط!!
فلا يخرج محل العضلات والأوتار إلا عظم مثل خطأ أي مطبعة ديجتال.
ويأمل الطبيب كابلان أنه بحقن مادة النوجين يشفى المريض.
ولكن الطريق ما زال طويلاً.
وكما يقول واتسون مكتشف الكود الوراثي عام 1962 أن أمامنا 500 عام أخرى لإماطة اللثام عن الإنسان.
والآن وبعد عشر سنوات من كشف اللثام عن الكود الوراثي يسأل نفس المكتشف كريج فينتر أين وصلتم؟ فيقول بالإنجليزية نثينج (لا شيء Nothing)
وفي أنفسكم أفلا تبصرون.