لعبت الترجمة دوراً كبيراً في نهضة العرب الأولى، حيث عكف المترجمون على ترجمة أصول المعرفة عن اللغات الأخرى، مما أسهم في توطين العلم والمعرفة في الثقافة العربية، وانتقال العرب من مرحلة نقل العلم إلى مرحلة إنتاجه كما يقول الدكتور مصطفى قاسم، ولكن كثيراً من مشاريع الترجمة في العالم العربي أصبحت محفوفة بالضعف والتعثر الطافح بالإعاقة المغلوطة، وعدم القدرة على مباشرة اللحظة الذهنية، واستيعاب مرحلة الإحياء والاجتهاد والكشف المفهومي للعلوم الأخرى غير العربية ومرجعياتها الفكرية، مما يفرض علينا استقراءها وتتبعها في أدق حيثياتها.
فكلمة (ترجمة) هي كلمة عربية أصيلة، والترجمان هو المفسر للسان، وفي الصحاح يقال: ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر، وهي من أقدم ممارسات النشاط الإنساني للشعوب، لما لها من أهمية في بناء الدول وتنميتها وإشاعة المعرفة فيها، ولولا هذا النشاط لتعذر علينا الاطلاع على الثقافات المختلفة، حيث تروي كتب التاريخ والتراجم أن المنصور والمأمون كانا ينفقان بسخاء على نقل الكتب وترجمتها، حتى إنهما أعطيا وزن ما يترجم لهما ذهبا، وكان الغسانيون عرب الشام على اتصال بالثقافة اليونانية والمدنية الرومانية، وكانوا هم الصله بين اليونان والعرب وقد ترجموا كثيرا من الكتب اليونانية، وقد بدأت الترجمة في العصر الأموي، فكان أول من اشتغل بنقل العلوم إلى اللغة العربية هو خالد بن يزيد الأموي المتوفى سنة 80 هجرية حفيد معاوية الأكبر ويسمونه حكيم آل مروان، ثم نشطت حركة الترجمة في العصر العباسي، حيث روى كتاب الفهرست أسماء العشرات من النقلة والمترجمين إلى اللسان العربي.
وفي عصرنا الحاضر استطاع مشروع هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة (كلمة) تقديم نموذج مبهر ومثمر، فقد بلغت إصداراته في زمن قياسي 700 عنوان ما بين الفكري والفلسفي والأدبي والسياسي والفني والعلمي والاجتماعي وثقافة الطفل، ضمن خطة رصينة ومنهجية رائدة، إنه مشروع تكاملت له كل شروط النجاح شكلاً ومضموناً فكرة وتطبيقاً وببذل مادي ضخم.
تقول الكاتبة عائشة سلطان: (إن مشروع "كلمة" يسهم في تقديم الإمارات للعالم كواجهة ثقافية ومعرفية وليس كواجهة اقتصادية لا تمتلك غير النفط والعقارات) فاز مشروع "كلمة" للترجمة بجائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة في دورتها الخامسة، وقد أكدت اللجنة المحكمة أن فوز مشروع "كلمة" جاء لما يتميز به من غزارة إنتاجه، ووضوح وسلامة إجراءاته في الترجمة العلمية من لغات عدة مثل: الفرنسية والإنجليزية والألمانية والهندية والإيطالية والإسبانية واليابانية والصينية والروسية والكورية والكردية والهولندية.