لا أعتقد أن كاتباً أو داعية أو شيخاً من داخل أسطوانة التأليف الإسلامي الضخم قد امتلك عشر الجرأة التي كان عليها مقال الشيخ الدكتور عائض القرني في بحر الأسبوع الماضي عن (تورم وانتفاخ علم الشريعة).. كنت أضع يدي على القفص الصدري وأنا أقرأ له وهو يفند هذا الانتفاخ من جملة تفوق ما قبلها، ومن سطر يصرخ فوق الخطوط الحمراء للسطر الذي سلفه. كان يفند شعاب هذا الحراك الهائل من التأليف حول الدين مبتدئاً سطره الأول في المقال من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام (لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب عني فليمحه)، منتهياً إلى آخر التفاصيل التي جعلت من شاب في غاية الزهو فخورا بامتلاكه عشرين ألف مخطوطة غير محققة حتى اللحظة. كان فضيلة الشيخ الدكتور، عائض القرني، يقول في فصل غير مسبوق من داخل هذا الخطاب إن هذا الدين العظيم كان ضحية حركة التأليف التي أحالت علوم الشريعة إلى (ورم وانتفاخ)، وأنا لم أقرأ له ما بين الأسطر، لأن أسطره كانت واضحة بالمفردات في عنوانه الذي وضعته بين (الأقواس)، ولكم أن تعودوا إليه في الزميلة (الشرق) لتقرؤوا ما لم تقرؤوه من قبل ولن تقرؤوه من بعد. كان يقول إن هذا الدين العظيم الذي ابتدأ بنهي واضح عن (التدوين) ينتهي اليوم بأضخم مكتبة في تاريخ البشرية بأسرها، فلم تزد حركة التأليف الهائلة أمة الإسلام إلا تشرذماً وانفصالاً وشيعاً ومذاهب وطرائق وفرقا ومللا ونحلا وأهواء وفصائل، وكل فصيل من هذه المصطلحات زاخر بمريديه وسادته وكتبه وأبوابه وفصوله. كان الشيخ يود أن يقول (وهذا اجتهاد مني في قراءة مقاله المدوي) إن الدين العظيم لم يكن يحتمل تحويله إلى (مأسسة) تضرب بعضه ببعض، وتزيد عليه ما لم يكن فيه، وتكتب في الاجتهاد له ما لم يكن يحتمله. كان يريد أن يقول إن هذا الدين العظيم لم يكن ليحتمل إضافة الكليات ورسائل الجامعات وتراكم الهيئات وثقل المؤسسات وظنون التأويل والاجتهادات. ذاك ما قاله فلا تحاسبوني إلا على النقل والتنويه، أو على ما سيكون من مقال سيضيف لهذه البلبلة حول الدين ورقة إضافية هذا الصباح. سؤالي البريء: ماذا لو أن غير فضيلة عائض القرني (ومن المشبوهين) قد كتب هذا المقال؟ وماذا ستكون ردة الفعل؟