مع انتهاء مؤتمر حركة عدم الانحياز الذي عقد في طهران، تولت إيران رسميا رئاسة الحركة لمدة ثلاث سنوات. هذه القمة، التي كانت أكبر حدث عالمي في طهران منذ الثورة في 1979، تم تصويرها على أنها انتصار للنظام في إيران. فقد أغلقت طهران لمدة 5 أيام وأعلنت هذه الفترة إجازة رسمية لتوفير أفضل مناخ تنظيمي للمؤتمر وتقليص أي تهديد محتمل من مخربين يمكن أن يرغبوا في تشويه مصداقية إيران أمام ممثلين عن 120 دولة.

القمة التي احتاجت لأسابيع من التحضير والإعلان عن قائمة الحضور التي شملت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والرئيس المصري محمد مرسي، أصبحت مثيرة للجدل رغم كل شيء.

الأمين العام للأمم المتحدة، الذي كان يخضع لضغوط أميركية وإسرائيلية لمقاطعة القمة، فاجأ الجميع بإعلانه أنه سيتوجه إلى إيران، والأمر نفسه ينطبق على الرئيس المصري محمد مرسي، الذي أعلن مسبقا أن زيارته ستستغرق أقل من خمس ساعات لتسليم رئاسة القمة إلى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. إيران اعتبرت مجرد وجود مرسي في طهران دليلا على تحول مصر إلى سياسة معادية للغرب في الشرق الأوسط.

لكن شخصين فقط، بالإضافة إلى خامنئي وأحمدي نجاد، استخدما منبر المؤتمر بشكل جيد: بان كي مون والرئيس المصري محمد مرسي. فقد فوجئ القادة الإيرانيون بأن الرئيس مرسي، في أول خطاب له أمام منبر عالمي، وجه انتقادا شديد اللهجة للرئيس الأسد وعكس التأييد العربي الواسع لحركة التمرد في سورية. أما السيد بان كي مون فقد كان ضيف شرف على القمة وعقد محادثات مباشرة وصريحة مع المرشد الأعلى للثورة آية الله خامنئي قبل يوم واحد من الافتتاح الرسمي للقمة، وأدان في كلمته في افتتاح القمة قيام أي دولة عضو في الأمم المتحدة بتوجيه تهديد إلى دولة أخرى. كان من الواضح أن بان كي مون يشير إلى تهديد إيران بأنها ستمحو إسرائيل عن الخريطة، كما تحدث بان كي مون أيضا عن البرنامج النووي الإيراني وحث طهران على التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجموعة دول 5+1 وأعرب عن تأييده لبرنامج نووي سلمي.

القادة الإيرانيون الذين كانوا جالسين قرب الرئيس المصري والأمين العام للأمم المتحدة فوجئوا بخطاب الرجلين، وسمعوا ما لم يكونوا يريدون سماعه عن سورية، وأهمل وحرف التلفزيون الرسمي الإيراني أي حديث كان بعيدا عن الخط الرسمي الإيراني، حتى إن المترجم على التلفزيون الإيراني الرسمي استبدل اسم "سورية" بـ"البحرين" عندما كان الرئيس المصري محمد مرسي يتحدث عن الأزمة السورية أثناء كلمته في القمة، مما دفع مكتب الرئيس المصري للمطالبة باعتذار رسمي من إيران.

وفي حادثة أخرى، صرح علي أكبر ولايتي، مستشار خامنئي للشؤون الخارجية، أن بان كي مون خاطب خامنئي وطلب منه مساعدتهم في قضية سورية لأنهم يواجهون هناك مشكلة. لكن بان كي مون نفى أنه قال شيئا من هذا. كان أكثر ما يهم النظام الإيراني هو إقناع الشعب الإيراني أن مجرد انعقاد القمة في طهران يعد انتصارا وأن إيران لا تزال تتمتع بأهمية دولية.

بحسب المتحدث باسم بان كي مون فإن الأمين العام للأمم المتحدة كان صريحا في تعبيره عن القلق حول أربع قضايا للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية: البرنامج النووي الإيراني، حقوق الإنسان في إيران، دعم إيران لنظام الأسد، وعبارات التهديد التي يستخدمها قادة إيران ضد إسرائيل.

أعتقد أن الاجتماع الذي عقد بين خامنئي وبان كي مون في طهران وما دار فيه كان هاما في تاريخ الجمهورية الإسلامية. حتى في كلية العلاقات الدولية في إيران، قال بان كي مون في خطابه إنه حث خامنئي على إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين.

الخطاب الافتتاحي للمرشد الأعلى ركز على حقوق استخدام الطاقة النووية لغايات مدنية، وهو ما أيدته جميع الدول المشاركة. البيان الختامي الذي صدر عن القمة في طهران أعرب بالإجماع عن تأييد البرنامج النووي الإيراني بشرط أن يكون سلميا، وانتقد المحاولات التي تقودها أميركا لعزل ومعاقبة إيران اقتصاديا بشكل أحادي.

كانت سورية هي الخاسر الوحيد.. فبالرغم من محاولات إيران الحثيثة لجمع بعض التأييد للنظام السوري خلال القمة، لم توافق دول حركة عدم الانحياز على إيراد اسم سورية في البيان الختامي. ويقول دبلوماسيون إن الإيرانيين كانوا يحاولون حتى وقت متأخر من آخر ليالي المؤتمر إيراد فقرة خاصة بسورية، لكنهم فشلوا في ذلك. فشل إيران في مساعدة سورية في مؤتمر عقد في طهران يعد الفصل الأخير في قدرة النظام الإيراني على الاستمرار في دعم سورية.

قريبا سيتوجه قادة العالم إلى نيويورك لحضور الافتتاح السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتأكيد ستكون الأزمة السورية من أكثر المواضيع التي ستناقش بين الحضور. سنرى إذا كانت إيران ستقتنع أخيرا بالتخلي عن دعمها لنظام الأسد، أم أنها ستختار مواجهة المجتمع الدولي خلال اجتماعات الجمعية العامة!