بعد ثلاث مقالات كتبتها حول همومنا التعليمية وأداء وزارة التربية والتعليم، يمكنني القول إن التعليم السليم في المجتمع السليم، والتعلّم السليم لا يكون إلا في البيئة التعليمية السليمة على غرار المثل القائل"العقل السليم في الجسد السليم"، والعكس صحيح، فهو يجب أن يهدف إلى تخريج عقول "واعية" قادرة على التعاطي وتحقيق التنمية المستدامة بمختلف المجالات الفكرية والثقافية والصناعية والفنية والتقنية والعلمية والصحية والدينية، لأن التنمية كل لا يمكن تجزئته، لكن حين يكون التعليم هدفه تخريج أكبر قدر من "الشهادات الورقية" لا "العقول البشرية" لتسجيلها كأرقام على ورق الدراسات والأبحاث "كمتعلمين" فرحا بالقضاء على أمية القراءة والكتابة دون أن تحسن التصرف وتعي مسؤولياتها وأخلاقياتها! فماذا يمكن أن نقول عنه؟
إن النهضة الحقيقية ليست ببناء مدن أسمنتية، بل ببناء إنسان قادر على بنائها والتعاطي معها، ومفتاح ذلك هو الاستثمار في وعي الأفراد بالتعليم والتدريب، هذا ما يضمن التوظيف الصائب للموارد الاقتصادية، والتعليم المتطور مهمة وزارة التربية والتعليم ما لم يتم وفق استراتيجيات مدروسة دون "ترقيع" أو "مزاجية فردية" فلن نقيم تنمية مستدامة، فهل الوزارة تقوم بهذا فعلا؟ أم ما تزال تعيد إنتاج وعي غير قادر على التعاطي مع محدثات التغيير العصري والمتسارع زمنيا، وتكرر أخطاءها التي ندفع ثمنها اليوم من بطالة وتخلف صحي وفكري وأخلاقي وثقافي وصناعي وتكنولوجي.
هناك دول كانت تعاني الأمية والجهل، لكننا اليوم نراها بقوة على خريطة العالم الصناعي والعلمي خلال عقود قليلة، كالهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، والسبب "المفتاح" المتمثل في الثورة على تقليدية التعليم التي لا تتناسب والعصر وابتكاراته ومتطلباته المتسارعة، ولنأخذ ماليزيا وهي دولة إسلامية، يبلغ عدد سكانها 28 مليون نسمة، يتسم بالتعدد الديني والعرقي ولم يكن لها وجود قبل عام 1963 نتيجة الاستعمار، وقد كانت تعتمد فقط على مواردها الزراعية لكنها اليوم من الدول الصناعية والتعليمية المتقدمة، وباتت صادراتها تشكل ما يقارب 90% من دخلها، والنتيجة الطبيعية لذلك أن انخفضت نسبة الفقر في ماليزيا من 56% تقريبا لتصل إلى 5% فقط من عدد السكان، وزاد دخل المواطن الماليزي أضعافا، وكل ذلك نتيجة "المفتاح" أقصد الثورة التعليمية التي قام بها مهاتير محمد رابع رئيس وزراء ماليزيا، الذي سعى إلى تغيير التعليم من جذوره وتطويره لاستثماره في الأفراد بما يساهم في تطوير المجتمع وتنمية موارده.
لقد سمعنا كثيرا عن انتدابات المسؤولين والمسؤولات بوزارة التربية والتعليم "الصيفية" إلى ماليزيا واليابان وغيرهما من الدول للاستفادة من تجاربهم التعليمية، فهل أحضر هؤلاء معهم "المفتاح" أم ضاع في الطريق؟.
الأمل معقود على هيئة تقويم التعليم العام التي أقرها مجلس الوزراء أمس، فلعل المفتاح لديها، من أجل الوطن والأجيال.