يكاد لا يخلو بيت من بيوت المملكة من مبتعث أو اثنين يحن إليهم أهاليهم مع كل مطلع شمس وغروبها، ويرسمون الأحلام لعودتهم وما تحمله من إنجازات وطموحات بالتغيير والتحسين على الصعيدين الشخصي والوطني. آباء وأمهات لم يحالفهم الحظ بتحقيق الحلم الأميركي والبريطاني والكندي والأسترالي وغيرها فدفعوا بأبنائهم وبناتهم ليحققوه لهم وللأجيال القادمة، فتجدهم بكل مجلس يتفاخرون بإنجازات أبنائهم المبتعثين في بلد الابتعاث وكلهم أمل بأن يفخروا بإنجازاتهم يوما ما في بلدهم الذي ابتعثهم.
هؤلاء الأّهالي ينتشون بسماع القصص التي يرويها أبناؤهم لهم عبر الهاتف وشاشة الكمبيوتر عن حياة لطالما كانت أساطير للبعض من أوائل المبتعثين، هي ذكريات تُزار بعد أن أجبرهم الواقع المحلي على التخلي عن تحقيقها، فلقمة العيش ثمنها غال.
آلاف المبتعثين والمبتعاث يقطنون أقطاب الأرض بمختلف الحضارات والأنظمة والمنجزات، وهم أحد أهم الأصول الخارجية التي لم تدر بشكل فعال، فالفوائد عظيمة ولكن فتات الشهادات البراق طغى على تتبع أثر هذا الفتات للمخبز الكبير، مخبز المدنية.
تدور أغلب مشكلاتنا في المملكة في فلك غياب مؤسسات المجتمع المدني، فأغلب الوزارات الخدمية ركنت لضعف الرقابة، فقطاع حكومي يراقب ويتوعد بحساب قطاع حكومي آخر، من دون استقلالية وشفافية تذكر. أغلب مشكلاتنا تتمحور حول جور فئة مجتمعية على أخرى، طغت لعلمها بأن لا حراك من أجهزة الدولة دون المرور بالبيروقراطية المميتة والتي تسمح بالتعدي مرة تلو الأخرى والمظلوم بانتظار أن يُنتصر له، فخريجات كليات الطب البشري لجامعة الملك سعود وبعض من أعضاء هيئة التدريس، على سبيل المثال، تم وصفهم الأسبوع الماضي بالانحراف على مرأى الجميع من قبل شرذمة لم تجد لها رادعا ولن تجد.
أغلب مشكلاتنا تتجذر وتتفرع في بيئة عززت للمناطقية والقبلية والطائفية، ولذلك فهي لا تصلح لزراعة بذور مؤسسات المجتمع المدني وإن زرعت فسيتم الحرث بشتى الوسائل لاقتلاعها، فكيف يتم زرع ما يهلك الظلم والجور وينشر العدل!؟
ومع ذلك فإن الحل موجود وأمام الأعين وبكميات وافرة، فلنزرع بذورنا في أرض خصبة ومتى ما أثمرت وأينعت فلنعدها لأرضها قوية، شامخة قادرة على مواجهة أي قوارض وحشرات لطالما أهلكت الزرع بذرا.
نقابات المبتعثين بشتى التخصصات هي الحل لضمان فاعلية وجود مؤسسات المجتمع المدني لدينا، متى ما تم إقرارها، فهم في بيئات مدنية ذات مؤسسات وجمعيات يفوق عمر بعضها مئات السنين.
مجالات الابتعاث شتى وعديدة بكل المجالات وأعداد المبتعثين والمبتعاث كافية للبدء بهيكلة هذه المبادرة والعمل على تفعيلها وبث الروح بها، فتأسيس نقابة مبتعثي الطب بشرق أميركا مثلا، وتفعيل دورها في بيئة بلد الابتعاث وكل ما يحمله من قوانين وجمعيات وأنظمة داعمة، ومن ثم ربطها مع نقابات مبتعثي الطب في بلدان الابتعاث الأخرى يمهد لنقلها فيما بعد إلى بلدها الأم، إلى المملكة، كنقابة أطباء سعوديين بهيكلة وسياسات وإجراءات مستقلة قادرة على مواجهة البيئة المدنية المقفرة.
نقابات المبتعثين، ستتبع في تنظيمها نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية المنتظر، بالإضافة لقوانين بلد الابتعاث، مما يعتبر إضافة مميزة عند عودة هذه النقابات للمملكة، فهي جمعت بين كونها نشأت تحت قانون وطني وبين كونها في بيئة مدنية خصبة تكفل نجاحها ودعمها قانونيا واجتماعيا فلا هي تحارب من تيارات متناحرة ولايتم تكبيلها ببيروقراطية القطاعات الحكومية مما يضمن عدم وأدها في مهدها.
إقرار نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، حتى بوجود قوانين مفعلة، إن وجدت، سيكون صعب التنفيذ في المملكة في الوضع الحالي، لأن الوقت يعد جوهرا مهما لتفعيل دور هذه المؤسسات التي طال انتظارها وهو ما سيسعى لهدره الحراثون.
نقابات المبتعثين هي أحد مخبوزات المدنية في مخبز ينتظر إيقاد النار ونفض الفتات والبدء في رحلة يعود بها رُسل المدنية بالحلم الذي طال انتظار تحقيقه.