فجر بعض علماء التكنولوجيا البارزين جداً قنبلة مدوية بدراساتهم التي أوضحوا فيها أن التكنولوجيا ستقوم بتدمير العالم كما سيتضح فيما بعد.. والتكنولوجيا هي سمة عصرنا الحاضر الذي يتميز بالسرعة VELOCITY، وقد أرسل إلي شخص عزيز مجموعة من الدراسات المتخصصة في التقنية قام بها علماء كبار ساهموا في وصول التقنية إلى المستوى الذي وصلت إليه، وبعضهم يعمل في كبريات شركات التقنية المعروفة، ومن هؤلاء (بل جوي) العالم التكنولوجي المشارك في إنشاء شركة مايكروسيستم، والمطور الرئيسي للغة برنامج Java الذي تحمل مهمة تحذيرنا من ظهور ما سماه خلق التقنية لنفسها Self-replicating في مجالات الجينات وتقنية النانو وتقنية الربوت. وتأتي أهمية هذا التحذير من المصداقية التي يتمتع بها هذا العالم كواحد من قياديي التقنية في العالم، ومن كون أطروحاته موثقة بشواهد وأدلة.

والحقيقة أن تحذيره مروع لأنه يعتقد أن التكنولوجيا ستكون أذكى من المجتمع، وعندها لن يستطيع المجتمع التحكم فيها.. وقد طرح ثلاثة أنوع من مخاطر التقنية منها "الباثوجين" pathogen التي تقوم الآن معامل التقنية الحيوية biotechnology labs بتوليدها، والتي يرى أن تدميرها للعالم يفوق تدمير القنبلة الذرية، كما يرى أن تقنية النانو ستعمل على خلق وتطوير نفسها بطريقة لا نستطيع إيقافها أو التحكم فيها وخصوصاً في الجانب السلبي منها، والشبح الذي يقض مضجع جوي هو أن عملية خلق التكنولوجيا لنفسها سيكون بمثابة السرطان الغير عضوي الصعب علاجه.

والخطر الثالث هو خطر الروبوت الذي سيحل محل الإنسان، لأن تقنية النانو ستجعل من السهل توفير ما يسمى nanorobots التي يفوق أداؤها مجال التنافس مع البشر ويتعداه، ولهذا يرى جوي أننا يجب أن ندرس بعناية فكرة التخلي عن أبحاث مجالات واسعة من التكنولوجيا. ولمكانة هذا العالم ولخطورة الطرح الذي كشفه وأصر عليه فقد تصدى عدد كبير من علماء ومتخصصي التكنولوجيا لهذا الطرح المتشائم جداً في التكنولوجيا، وقد وصفت مثل هذه الردود بأنها ضعيفة وأن أصحابها ذوو نظرة قاصرة shortsighted وفيما يتعلق بمخاوفه حول الباثوجين رد عليه البعض بأن هذه التقنية قد كشفت تقدماً مذهلاً في علاج العديد من الأمراض المستعصية، مثل السرطان والإيدز، ووفرت الإنسولين البشري وتعمل على زيادة الأعمار بالرغم من وجود خلاف كبير على مبدأ أبحاث النقطتين الأخيرتين. لكن جوي وبعض مناصريه يقولون إن معامل التكنولوجيا الحيوية ستقوم بإنتاج باثوجينز يعمل على تدمير البشرية وبقية الأحياء التي تعيش على الأرض وسيكون مفعول هذا الباثوجينز أقوى من مفعول السلاح النووي، وأن هذا النوع من الجينات لا يمكن السيطرة عليه. لكن المعارضين يقولون إن السلاح النووي المدمر موجود على الأرض منذ زمن طويل وأن التحكم به ما زال ناجحاً، كما أن معارضي جوي يوجهون له ولمؤيديه هذا السؤال: كم عدد الناس الذين يرغبون العودة إلى الحياة البدائية المليئة بالأمراض والفقر والكوارث التي عانى منها 99% من البشر خلال القرنين الماضيين؟ ويقولون بوجود ناس تحت وطأة الفقر والمرض والجهل، وهناك من الأحياء الذين يعيشون على الأرض مهددون بالإبادة أو الانقراض، وهذا ما يبرر المضي في تطوير التكنولوجيا للارتقاء بالحياة البشرية وكل ما يعيش على الأرض من حياة. ويقدر العلماء الذين يعترضون على فكرة تدمير التكنولوجيا للبشرية ويقولون إن الناس عادة يمرون بثلاث مراحل عندما يختبرون تأثير التكنولوجيا على الكون في المستقبل. المرحلة الأولى: مرحلة الخوف أو المرحلة المروعة والمذهلة، التي تعمل على الخلاص من مشكلات العصر القديم، والمرحلة الثانية هي الإحساس بالفزع بسبب المخاطر القاتلة التي تصطحبها التكنولوجيا الجديدة، وتتبعها المرحلة الثالثة والأخيرة التي يواكبها الأمل بسبب الإحساس بأن الطريق الوحيد الذي يمكن السير فيه والطريقة الوحيدة القابلة للتطبيق وتتحمل كامل المسؤولية هي مجموعة العمليات الواعدة والموثوقة التي يمكن اللجوء إليها خلال التعامل مع مخاطر التكنولوجيا المدمرة.

بعبارة أخرى يرى معارضو جوي أن الأمل معقود على المجتمع أن يتعامل مع تلك المخاطر بطرق وأساليب تضمن الحد من مخاطر التكنولوجيا، وفي نفس الوقت الاستفادة من الجانب المضيء فيها. جوي يصف ببلاغة متناهية أن وباء القرون الماضية قد ولى، وكيف أن التكنولوجيا التي تنتج نفسها مثل هندسة الجينات الدقيقة وروبوت النانو سيعيد هذا الوباء من جديد بطرق جديدة. العلماء المعارضون يعترفون أن هناك خطرا، لكن الكون وصل إلى مرحلة اللاعودة في التكنولوجيا، لأنها كما يعترف جوي بنفسه أن التكنولوجيا المتقدمة مسؤولة عن وجود المضادات الحيوية وتطور الصحة العامة التي حررتنا من انتشار الوباءات. ويشن المعارضون هجوماً عنيفاً على المتشائمين من تقدم التكنولوجيا وذلك بأن معاناة البشر مستمرة ولا بد من وقفة عاجلة وفاعلة لمواجهة تلك المعاناة. ويوجهون أسئلة من هذا النوع: هل يفترض أن يقال للملايين من الناس المبتلين بمرض السرطان مثلاً وللآخرين الذين يعانون من أحوال مرضية متأزمة، أننا نقوم بإلغاء نمو وتطوير كل علاجات الهندسة الحيوية التي ثبت أنها تتقدم في علاج حالاتهم لأن هناك خطرا يمكن أن يحدث في يوم ما بسبب أهداف الحقد والضغينة؟ هذا سؤال جدلي.. ولكن الواقع أن هناك توجها لفعل هذا الشيء والتوقف عن عمل الأبحاث والدراسات التي تؤدي إلى سيطرة التقنية على حياتنا.

لكن بالمقابل معظم الناس يتفقون أن التخلي عن أبحاث ودراسات تقدم التكنولوجيا ليست الجواب الأمثل.. بالإضافة إلى أن هناك عاملا محفزا يدفع باتجاه دحض حجج جوي ومؤيديه لصالح الفريق الآخر، وهذا العامل المحفز هو العامل الاقتصادي، فهناك مكاسب اقتصادية تعالج الكثير من المشكلات في الدول المتقدمة اقتصادياً. فالميزان الاقتصادي ودخل الفرد والبطالة والنفوذ عوامل تشجع على المضي في هذا الطريق وعدم التوقف.. ويقول المؤيدون إن التوقف يعد انتحارا اقتصاديا للأفراد والشركات والدول. المعارضون يقولون إن التخلي عن أبحاث التكنولوجيا يجب أن يحدد بدقة ونعرف تمام المعرفة الجزئية التي يجب أن يتوقف فيها النمو الكنولوجي ولماذا، وهم يعتقدون أن المجتمع الكوني أذكى من أن يدمر نفسه بنفسه، ووجود أسلحة الدمار الشامل لعقود طويلة دون استخدام دليل على ذلك. إلا أن المعارضين يؤكدون أنهم ينظرون بجدية إلى تنحيهم وابتعادهم عن معامل التكنولوجيا، وهم فقط يقومون الآن بالتأكد من أن مخاوفهم في مكانها، ليأخذوا هذا القرار الصارم الذي دون شك سيؤثر على التقدم التكنولوجي للكون بحكم أن جوي ومؤيديه هم أساطين التكنولوجيا في العالم.