هل لديكم مسرح؟ سؤال يتردد كلما قابلني أحد من الناس، الجمهور العادي قبل المتخصصين. وحقيقة الأمر أنني أجيب بكل صدق وبدون تعصب: نعم لدينا مسرح، ومسرح له تاريخ. فلا يتوقف الأمر عند مقولة الراعي: "عندما يجتمع جماعة يلعبون حكاية في مكان له متفرجون كان مسرحا".. وإنما كان المسرح السعودي قد بدأ مع بداية المسرح في دول الخليج وبعد بداية المسرح المصري بزمن ليس بالكثير، فعندما كان الكاتب عزيز أباظة يكتب مسرحا شعريا كان حسين سراج يكتب المسرح الشعري. ثم ماذا عن دار قريش للتمثيل التي أنشأها السباعي في مكة، وإن لم تعمل إلا أنها أنشئت وأصبحت تاريخا مدونا في تاريخ المسرح السعودي. بالإضافة لتاريخ المسرح في الجزيرة الذي بدأ في اليمن قبل قدوم المسرح إلى الوطن العربي على يد مارون النقاش وأخيه سليم النقاش، وذلك عندما ذكر كتاب المسرح في اليمن لكاتبه ـ على ما أعتقد ـ سعد العولقي أنه في القرن السابع عشر كان الاستعمار في اليمن يستقدم العروض المسرحية كمسرح عالمي ـ ومنها مسرحيات شكسبير ـ إلى اليمن ويقيمها على مسرح (بروسينم) أي مسرح تقليدي على الخشبة الإيطالية المعروفة، ويأتي إليها جل المتفرجين، وأغلبهم من الأجانب المقيمين في اليمن، ثم ذكر هذا المؤرخ أن الوفود من التجار الهنود يأتون بأنواع من الطيور الملونة ويقيمون بها عروضا مسرحية هناك، ومن هنا نستطيع القول بأن الجزيرة العربية قد عرفت المسرح قبل مارون النقاش وأخيه.
هذا وإذا رجعنا لتاريخ المسرح السعودي فلن يتسع له هذا المقال، والذي يعرفه رجال المسرح والمثقفون السعوديون، وكيف أن المسرح السعودي كان يقدم مسرحيات عريقة مثل "جميل وبثينة" و"السعد وعد" و"الدوامة" وغير ذلك. وبالرغم من تاريخ هذه الواجهة الثقافية الهامة جدا للفكر وللثقافة العربية والدولية والسعودية على وجه الخصوص، إلا أن السؤال يوجه لي في أي مكان: هل لديكم مسرح؟ ولهذا قمت بتأليف عدة كتب مثل: "أثر البداوة على المسرح في السعودية"، و"أثر الهوية الإسلامية على المسرح السعودي" وحاليا وتحت الطبع كتاب: "المسرح السعودي مسرح الرجل ومسرح المرأة".. ومئات اللقاءات والمقالات وورقات المؤتمرات الدولية والعربية، وبالإضافة لما كتبه العديد من المؤلفين السعوديين عن المسرح السعودي، ولرسائل الماجستير والدكتوراه فيه، ومع ذلك أواجه السؤال المعتاد: هل لديكم مسرح؟
شارك المسرح السعودي في أغلب المهرجانات العربية والدولية، ونال جوائز مشرفة في بعضها ومع ذلك أواجه السؤال المعتاد: هل لديكم مسرح؟
ما هي النقطة الأضعف في سطوع نجم المسرح السعودي عربيا ودوليا لدى العامة والخاصة؟ وهل يظل المسرح السعودي يقاتل من أجل البقاء؟ فلا نريد المسرح أن يشغل رفا في مكتبة الثقافة السعودية، كما قال حسين سراج عندما سئل عن لماذا يكتب للمسرح فقال: "أريد أن أزركش المكتبة السعودية بالمسرح" ولا نريد أن يكتفي بالمشاركة في المهرجانات وإنما نريده موجودا ومعروفا للخاصة والعامة في الدنيا كلها بما له وما عليه، بقوته وهزله، فالنجاح ينسب لأصحابه وصُنّاعه والفشل ينسب لصناعه وأهله، والمسرح رحب الصدر للنقد، فمنه أتى ومنه يستمد قواه.
ما دعاني لكتابة هذا المقال هو نشر هذا الخبر في جريدة الوطن السعودية: "تعتزم الجمعية السعودية للثقافة والفنون بالقصيم المشاركة في "مهرجان تشيخوف الدولي للمسرح 2012 بأوكرانيا"، الذي سيقام بمدينة يالطا في الفترة 10 – 17 سبتمبر 2012 وذلك بعرض مسرحي نخبوي بعنوان "مايسترو"، وهي مسرحية من تأليف الدكتور محمد صقر، وإخراج محمد العتيبي.
وتم اختيار مسرحية "مايسترو" من بين (47) عرضاً مسرحياً دولياً تقدم للمشاركة في هذا المهرجان ليتم ترشيحه من لجنة المهرجان مع (12) عرضاً مسرحياً فقط، بينما استبعدت باقي العروض.. فيشارك مع عتل الفرق المسرحية وهي أوكرانيا، السعودية، بولندا، كوريا الجنوبية، اليونان، روسيا، طاجكستان، أستونيا، مصر، إسبانيا، ملدوفيا، كندا".
وبالطبع باقي العروض التي استبعدت كانت عروضا دولية لفرق لها شأن وتاريخ في المسرح. أفلا يستحق المسرح السعودي الذي يحقق هذا النجاح ورفع راية المملكة في المهرجانات الدولية أن تؤسس له هيئة مستقلة بذاتها وموظفيها؟ ولها وعليها حساب؟ ستحاسب إن ضلت وتكافأ إن أفلحت، شأنها شأن أي هيئة سعودية بدون أن يذهب خبر المسرح في جيوب هؤلاء ويحرم منه هؤلاء!
إنه لا يكفي يا معالي الوزير أن يكون المسرح فرعاً أو مكتباً في وزارة الثقافة والإعلام، إن للمسرح مؤسسة كبيرة في كل الدول وفي كل الدنيا، فلماذا لا توجد هيئة للمسرح؟ تنضح بمسرح نابت، وينضح ويحتكم داخل أضلاع المثلث الذي رسمه الأمير فيصل بن فهد طيب الله ثراه حين قال: "لدينا مسرحا ينطلق من عاداتنا، وتقاليدنا، وتعاليم الدين الحنيف". لكي يعرفنا في عاداتنا وتقاليدنا وتعاليم ديننا جل العالم الذي يتهمنا بالتطرف والمغالاة وغير ذلك. ثم إن لدينا مبدعين مسرحيين يعشقون المسرح، وجيل قد لا يتكرر، إذ إنه يستطيع الفوز عالميا بالمشاركة وهو كذلك، فكيف إن وجدت له وظائف ورواتب داخل مؤسسة يتفرغ لها!
أشكر كل الشكر هؤلاء الرجال العظام، وهم: مدير فرع الجمعية بالقصيم سليمان الفايز والأمير فيصل بن بندر أمير منطقة القصيم، ورئيس الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون الدكتور سلطان البازعي، وكذلك المدير العام للجمعية عبدالعزيز السماعيل، على دعمهم المتواصل وثقتهم بالمسرح ليمثل المملكة في المحافل الدولية، ولا أستثني فريق العمل الذي أبـدع كي يشارك ويرفع اسم السـعودية في هذه المحافل الدولية، لذا يجب أن يتساوى الاهتمام بالمسرح ـ رغم أهميته ـ بالاهتمام بالكرة لكي لا تكون الثقافة ثقافة أقدام فقط بدون رؤوس. فالمسرح ليس عيبا أو عـارا أو سـبة، وإنما هو مرآة حياة يعـكسها ويبنـيها، كما في المقولة المأثورة: "أعطني خبزاً ومسـرحاً أعـطك شعـباً مثـقفاً".