تبدأ الأسئلة الموسمية تتصاعد كالبخار الساخن من فوهة مستقبلنا الملتهب عند بدء العد التنازلي من كل عام دراسي.. هل مدرسة ابننا جيدة وبيئتها التربوية مناسبة؟ وهل سيبدو سعيداً فيها؟ هل سينسجم مع معلميه وزملائه بشكل جيد؟ هل لدى معلميه الكفاءة والخبرة الكافية في التعامل مع (طفل) يدلف أبواب عالم جديد يتغنى به ويعتقده مدينة أحلام من الإبداع والإمكانات والبراءة والطهر.. وتتجاوز إلى: هل يبدو المعلمون أيضاً سعداء وراضين في عملهم؟ وهل المناخ التعليمي صحي ويعتمد مشاركةً على (التعلم) فعلاً من قبل منسوبي المدرسة؟ وهل إدارة المدرسة تواكب (القيادة) التربوية الحديثة؟ يأتي ما سبق بعد تفحص سمعة المدرسة تعليمياً ومنطلقات برامجها وأنشطتها الخاصة المقدمة لطلابها.

تلك الأسئلة تطاردنا بعد أن يدهشك كثير من أولياء الأمور وبعد بدء العام الدراسي بأسابيع إذ ما زالوا حتى يومنا هذا يبحثون عن بصيص أمل لتسجيل أبنائهم في مدارس (جيدة) في أحياء أخرى لا يسكنونها، ويبذلون كل الطرق المؤدية إليها، لذلك تبقى مسألة الاهتمام بالأبناء حتمية ونواة مستقبل كبير؛ فالوالدان – ومن حقهما- يتمنيان لابنهما أن يعيش حياةً كريمة وأن يشاركهما في رسم نجاحه وبناء مستقبله نحو تربية وتعليم أفضل، وعادة ما تكون مسألة اختيار المدرسة هي أهم القرارات التي يتخذها الآباء، وتعد منعطفاً مهماً في حياة كل طفل، ليس على الصعيد التعليمي فحسب بل تتجاوزها لبناء الشخصية والنمو الحياتي الشامل، فبعض الآباء لدينا يبدأ في الأسئلة والبحث عن المدرسة الأنسب بل الأفضل حتى قبل ميلاد طفلهم، والبعض يتجاوز ذلك بالانتقال لحي ومنزل جديدين يجدون فيهما مدرسة متميزة يسجلون فيها طفلهم، وذلك من الإعداد الجيد لمرحلة دخول مدرسة المستقبل للطفل والمحددة لبوصلة اتجاهه التربوي وما يترتب مستقبلا على هذا القرار، وهو مايراه المختصون في مجالات التربية، أحد أهم القرارات والاختبار الحقيقي للآباء والأمهات.

في نظامنا التعليمي يكون تسجيل الطلاب في المدارس الحكومية حسب التوزيع الجغرافي لمدرسة الحي فقط، بينما تقابله نسبة أخرى (زئبقية) تتجه نحو المدارس الجيدة لمن يسكنون خارج الحي لأن تسجيلهم يخضع لرحمة (توقيع) واستثناءات خاصة تخُطُها أوامر وخطابات مسؤولي إدارات التعليم ومكاتب التربية، أو من خلال بعض إدارات المدارس عبر علاقاتها الشخصية مقابل مساعدة المدرسة والتبرع لها.. والبقية يتجهون بأبنائهم إلى المدارس الخاصة طوعاً أو كرهاً لسوء مدرسة الحي نفسه، وبالتالي عندما تكون طريقة تسجيل الطلاب جغرافية بحتة في مدارسنا فلن نستغرب أن تنطلق بعض الطرق الملتوية من قبل بعض أولياء الأمور عندما يتحايلون بإحضار عقود سكن (وهمية) تثبت سكنهم في الحي الذي تقع به المدرسة (النموذجية) ليتم تقديمها لإدارة المدرسة عند التسجيل!

ومع بدء مشكلة الاختيار الأنسب لأطفالنا في المدارس بقيود تسجيلهم في مدرسة الحي فقط، ندخل في المعضلة الكبرى حينما تكون مدرسة الحي من المدارس المستأجرة المفتقدة للبيئة التعليمية، أو المتضخمةً بتكدس عدد الطلاب في فصولها التي تستوجب ألا يزيد عدد الطلاب في الفصل الواحد على 25 طالباً حسب المعايير التعليمية الدولية، بدلاً من 35 طالبا وأكثر في (مجلس) الصف أو (مطبخ) المبنى المستأجر، ومشاكل أخرى مهمة تتمثل في نوعية طلاب الحي وسلوكهم وبيئة الحي السلوكية المناسبة.

في نظام التسجيل المدرسي لدينا لم نصل حتى الآن في كيفية اختيار الأب ما يتناسب مع اتجاهات طفله واستعداداته في اختيار مدرسته (الحكومية) المناسبة، وفي أي مكان تقع لكي يضمن اختيارا مناسباً، وبما أن المشكلة أزلية في عجز تطوير وتحسين البيئات التعليمية في المدارس جميعها إذن؛ لماذا لا نعيد النظر في كيفية تسجيل أبنائنا في مدارس مستقبلهم؟ وكيف سنخرج بمشروع ينطلق من إدارات التعليم يتضمن صناعة جو تنافسي بين المدارس بناءً على قياس عدد الطلاب ومدى إقبالهم على التسجيل بها لتميزها في استقطاب الكفاءات من الطلاب والمعلمين، وإشعالاً لروح التنافس بين الإدارات والمدارس ومحاسبة عزوف الطلاب عن التسجيل في بعض المدارس.

وإن لم يكن ذلك، فيبقى السؤال الأهم: إلى متى نجعل أطفالنا ومستقبلهم التعليمي يعيشان تحت رحمة الموقع السكني بالتسجيل في مدرسة الحي فقط؟ ولو قدر أن تكون ذات بيئة تعليمية غير مناسبة لحكمنا وشاركنا في الأخذ بيد طفلنا نحو بداية فشل تربوي مرير.