لقد أخذني ذلك المسرح البهي لأتخيل حوارا دراميا فنيا بين شكسبير وامرئ القيس على مسرح سوق عكاظ مرة؛ ومرة حوارا آخر بين الخنساء وفرجينيا وولف.. هكذا يمكن أن يأخذنا المسرح إلى تلك الثقافة الإنسانية والحوار العميق الذي يغرس داخلنا الوعي بقيمة الإنسان في كل زمان ومكان. هذا ما شعرتُ به فعلا وأنا أشاهد بفخر حفل افتتاح "سوق عكاظ" الذي شرفت بحضوره في دورته السادسة هذا العام، وقد كنتُ أراقبه شيئا فشيئا وسنة بعد سنة وهو ينمو منذ كان بذرة بذرها الشاعر والفنان خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة في مدينة الطائف وحياة الطائفيين.. وأعرف كم تعب فيها كثيرا القائمون عليه بظلّ الإمكانات المادية المحدودة وحداثة التأسيس لمشروع ثقافي تاريخي إنساني، لأجده في كل عام يُطل بتجدد مستمر وتوسع أكبر في مساحة اهتماماته. وهذا العام كان أكثر بهاء في خيمة سوق عكاظ التي أهدتها مجموعة بن لادن للثقافة والمثقفين والتاريخ الإنساني.. حقيقة كم شعرتُ بالفخر بين الضيوف العرب الذين تمت استضافتهم وأنا أرى هذا المشروع يُطل اليوم أكثر تحضرا وتطورا وحداثة قلبا وقالبا وإنسانا، حداثة تتعمق التاريخ لتبذر لنا المستقبل لا لتحبسنا فيه وتجعلنا غير قادرين على تجاوز رموزه، أكدت ذلك رؤيتنا للشاعر غازي القصيبي ـ رحمه الله ـ خلال تجسيد دور عنه خلال عروض الافتتاح المسرحية.
وبصراحة؛ لم يدر في ذهني عنترة بن شداد الذي حظي هذه الدورة بحضور واهتمام السوق، وقد وجدت الأوراق البحثية عنه استهلاكية ولم تأت بجديد، ولا امرؤ القيس ولا طرفة بن العبد ولا زهير بن أبي سلمى ولا الخنساء ولا غيرهم من شعراء الأمس البعيد.. فهؤلاء رموز ماض بات ذكرى وهو ما يجب أن يكون، لأن لدينا حاضرا عريقا ومستقبلا جميعنا متفائلون به، وكنتُ آمل ألا نتوقف كثيرا عند مسرحيات القدماء وتجسيدها "واقعيا" دون لمحة إبداعية حتى لا نجد أنفسنا غير قادرين على ولادة غيرهم. فلدينا في الحاضر رموز أخرى أولى أن نعرف حياتهم وتحدياتهم التي عاشوها على هذا المسرح الذي رغم جماله وفنيته وعراقة التحامه بالتاريخ والتحامه بصخرة عكاظ الشهيرة إلا أنني في العام القادم حين أحضر الدورة السابعة ـ إن شاء الله ـ أتمنى من المشرفين على سوق عكاظ أن يكونوا قد تخلصوا من إعاقاتها لما سيعرض من مسرحيات، فوجودها يُمثل عائقا لإخراج أي عرض مسرحي، فكوني متخصصة في المسرح والدراما أعرف جيدا أن مسرح اليوم متغير وتقني وليس جامدا، ولهذا أقترح على القائمين على "عكاظ" تصميم وإقامة مسرح كهربائي متحرك آخر فوق المسرح الحالي يضمن بقاء مسرح الصخرة والاستفادة منه في الخطابة المنبرية، فيما يكون المسرح المتحرك لأجل عرض المسرحيات التي تحتاج إلى الكواليس والإضاءة والتقنيات والديكور المتغير، فقد بات "مسرح عكاظ" علامة بارزة في حياة العكاظيين الجدد.