إذا كان المسلمون يعتقدون في دينهم ألا مشكلة أن يكون لديك صديق يهودي أو مسيحي أو من أي جنسية أخرى، وإذا كان المسلمون يعتقدون في دينهم أن مثله وقيمه هي المحبة والسلام والتسامح والتعاون، وإذا كان في دين الغرب ومعتقداتهم وفي كتبهم المقدسة ما يدعو لكل ذلك.. فلماذا نرى الخلاف والعنف يطغى على ساحاتنا بيننا وبينهم؟ أعرف أنه سؤال كبير عند البعض وساذج عند البعض الآخر.. وبين الرأيين تكمن التفاصيل.. وفي التفاصيل يكون الشيطان كما يقول المثل المعروف. الغرب يرفع في كل الأحايين رغبته في بث المثل والقيم العالمية وبسطها بين الأمم حتى ولو بالقوة، وكثير من الأمم تعتقد بتلك المثل وأولها الأمة الإسلامية.. لكن هناك أسبابا أخرى طغت على كل رغبات المتعقلين والوسطيين من كلا الطرفين، ومنعت الحوارات الهادئة والهادفة من أطراف مخلصة كانت تود أن يصل الفريقان إلى نقطة التقاء تكرس التقارب الذي يؤدي إلى بسط المثل والقيم التي تكفل بقاء ذلك التقارب وتغذيه، لينتج عنه تعاون يكفل سلاماً وأمناً لمجتمعاتنا وإعماراٍ لأرضنا.
في الأحداث الأخيرة، وهي بالتأكيد لن تكون الأخيرة، تكررت الأخطاء من كلا الجانبين، تم استفزاز المسلمين في عقيدتهم من قبل البعض في الغرب ببث أفلام تسيء إلى نبيهم، ولا أظن الغرب يتوقع أن يسكت مليار ونصف المليار مسلم على هذا الاستفزاز. لكن ردة الفعل بالمقابل لم تكن مناسبة، ففي ديننا الإسلامي "لا تزر وازرة وزر أخرى.." هنا قامت فئة بتأسيس دور للشر والفتنة بعمل الفيلم المسيء، ونتج عنه دور عنيف مستجيب، وكلامهما شر وفتنة.. وفي رأيي أن الطرف القوي في المعادلة يتحمل المسؤولية الأكبر، وهو الغرب. إعلام الغرب، وثقافة الغرب ممثلة في الجانب الفني في هوليوود دأبت منذ زمن طويل على تشويه العرب والمسلمين وثقافتهم ودينهم، وأرى أن هذا يجب أن يتوقف فورا، فعالمنا قد تبدل ولا يحتمل هذه الصراعات، ولا بد أن يكون في الجانبين العقلاء الذين يحرصون على سلامة وسلم العالم، ويحرصون على علاقات جيدة يحفها التفاهم ويلفها التسامح ويحيط بها التعاون.
هناك توجهات في سياسات الغرب لم يحد عنها منذ زمن طويل ويجب أن يعيد التفكير ويرتب قناعاعاته حولها. لأن بعضها قد تسبب في تكوين اتجاهات سلبية نحوه، ومنها سياساته المنحازة لإسرائيل في القضية الفلسطينية، حتى لو كان ذلك على حساب سمعته وأحيانا مصالحه، وما ترتب وسيترتب على ذلك من أحداث.. الاتجاه الثاني النفط وأهمية استمرار تدفقه، والثالث استمرار بيع منتجاته، والرابع حرية تنقله واستقراره في أي بقعة يريدها من العالم، والخامس حماية الأقليات غير المسلمة في دول الربيع العربي وغيرها، وسادساً تكريس حرية الأديان والقيم التي يرى أنها يجب أن تسود.. وقد كلفت هذه التوجهات الغرب أموالاً طائلة كانت أحد الأسباب الرئيسية في دخوله أزمات كبرى على مستوى قبوله ومحبته من قبل الآخرين، وعلى المستوى الاقتصادي في مصاريف الحروب التي خاضها والتي لم تؤد إلا لمزيد من الاستفزار والعنف والكراهية. ولم تعمل على تكريس السلام أو ردم هوة التقنية Digital Divide في العالم الذي يقول بأهمية ردمها وسعيه لذلك، ولم تؤد إلى قلة السلاح حتى ما كان مختصاً بالدمار الشامل، وقد أضيف إلى عنصر القرية الكونية التي تتطلب منا السعي إلى استقرار عالمنا في البعد الجديد، هذا البعد هو الربيع العربي، والغرب يدرك أن السياسات والتوجهات لم تعد تتكون بالطريقة التي تتكون بها في الماضي القريب، وأن الأمور أصبحت في أيدي الشعوب التي تختار حكامها وتقرر سياساتها وتقرر من الصديق ومن العدو.
الغرب مضطر للتعامل مع المسلمين، والمسلمون مضطرون للتعامل معه، ويوجد في الغرب من يريد الاستفزار واللجوء إلى العنف، ويوجد في الطرف الآخر أيضا من يؤمن بذلك، وكلا الفريقين على خطأ. يجب أن نعرف أن هناك خطوطا حمراء عند الفريقين، والتعمد في الوصول إلى هذه الخطوط خطأ كبير، يؤدي إلى الاستفزار والعنف، والمشكلة في رأيي هي في الضغوط التي تمارسها بعض الأطراف على السياسات، والتي أدت إلى عدم العدالة في التعامل مع قضايا المسلمين وأولها قضية فلسطين. ولاستمرار والحفاظ على مستوى الضغوط تسعى تلك الجهات إلى الوقيعة بين المسلمين والغرب بافتعال أعمال تستفز المسلمين ثم تقوم فرق غاضبة بارتكاب أعمال عنيفة تؤدي إلى توتر العلاقات بل واستمرار توترها، هذه هي القضية، ويجب في رأيي أن يتم التعامل مع أساس المشكلة، لأن الأحداث التي نراها ومنها ما رأيناه أخيرا في مقتل سفير أميركا في ليبيا هي تصب في هذا المصب.. فعندما نعالج أساس المشكلة يتبع ذلك حلول لتفاصيلها، والمشكلة الأخرى أنه عندما تكون هناك أحداث عنف لا يتم الحديث عن أساس المشكلة ومسبباتها وإنما يتم الحديث عن الحدث نفسه، ثم يُتبع بالتشويه والتحريض لتتحقق أهداف بقاء العلاقة متوترة بين المسلمين والغرب.
العنف والقتل أمر مرفوض جملة وتفصيلا لأي سبب، وبالمقابل للمسلمين مطالب مشروعة وقضايا عادلة يتم التعامل معها من قبل الغرب بتحيز واضح. هذا ما يظنه سواد المسلمين الأعظم.