أنا أحد أولئك الذين هللوا كثيرا وهم يشاهدون مقطع فيديو لمواطن تونسي يهيم على وجهه في أحد شوارع تونس ويردد: بن علي هرب، أيضا أنا أحد الذين صفقوا حين ظهر عمر سليمان وهو يقرأ بيانه الشهير الذي يعلن فيه: قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية. وكذلك الحال في ليبيا حينما دخل الثوار باب العزيزية وبعد أن تخلصوا من طغيان القذافي. لكن: هل ما حدث كان جيدا بالفعل؟

إلى الآن ما زلت أقول: نعم، لقد كان جيدا خاصة أن تلك البلدان كانت ترزح تحت أنظمة سدت جميع الآفاق وحولت الإنسان إلى كتلة من الغضب والاحتجاج بعد أن وصل بها الاستبداد إلى أبعد مدى. مما يعني أن الثورة قامت للتخلص من تراكم هائل من التسلط والاستبداد والقهر، وهو ما يجعلها على المستوى المعنوي والنظري ثورة حقيقية، ومحمّلة بكل المعاني الإيجابية، إذ إنها – وهذا من طبيعة الثورات – تحمل في داخلها بحثا عن نقيض ما ثارت عليه، لتستبدله بمعاني العدالة والمساواة والحرية. لكن ما الذي حدث؟

القوى الإخوانية التي وصلت للحكم لم تكن تخلصت بعد من كل ما اكتسبته من صفات طوال فترة مواجهتها مع الأنظمة الزائلة، فوجدنا أنفسنا أمام حكم البديل وليس حكم النقيض، إن ما حدث نوع من إعادة طلاء الجدران بينما الجدار والمنزل هما ذاتهما، فالإخوان في مصر لم يسجلوا إلى الآن أي حصاد إيجابي على مستوى القيم التي نادت بها الثورات، أهملوا الشارع إلا على المستوى الإعلامي، ودخلوا في مواجهات مع بقية القوى السياسية واتجهوا نحو ما يشبه الاستحواذ الكامل على السلطة.

لكن أول اختبار حقيقي لحكومات ما بعد الثورات، وفي ذات الوقت لشعوب الربيع العربي كان في ردة الفعل على الفيلم المسيء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فالفيلم إنما جاء من رجل أمريكي ولم يأت من الولايات المتحدة الأمريكية، تماما كما حدث في العمليات الإرهابية التي قام بها مسلمون في بضع مناطق في العالم والتي من أهمها عمليات الحادي عشر من سبتمبر، إذ لم يكن من المقبول السماح لأمريكا أن تتهم الإسلام أو المسلمين أو أي بلد بعينه أنه هو من قام بتلك العمليات، وبالتالي فالسفير الأمريكي في ليبيا والقنصلية الأمريكية في بنغازي، السفارة الأمريكية في القاهرة أو في تونس، وسفارتا بريطانيا وألمانيا في السودان كلها لا شأن لها من قريب أو بعيد بإنتاج ذلك الفيلم الوضيع.

إذن أسوأ ردات الفعل على ذلك الفيلم الوقح جاءت من أهم بلدان الربيع العربي: ليبيا ومصر وتونس، كانت عنيفة وذات دلالات رمزية للغاية، ففي حين يقتل السفير الأمريكي في ليبيا يتم رفع علم القاعدة على السفارة الأمريكية في القاهرة. وهو ما جعل الغرب في مواجهة سؤال كبير: إلى أين تتجه علاقاتنا مع دول الربيع العربي أنظمة وشعوبا؟

في مصر كانت تصريحات بعض قيادات الإخوان مخاتلة نوعا ما، فلم تكن صارمة ولا قادرة على ضبط حماسها الموازي لحماس المتجمهرين حول السفارة الأمريكية في القاهرة.

في تصريح مثير لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قالت: لا نريد لبلدان الربيع العربي أن تنتقل من استبداد الطغاة إلى استبداد الغوغاء. هذا أول تصريح يشير إلى استيعاب أمريكي يرى أن الأزمة الحقيقية ثقافة وفكرية واجتماعية وليست سياسية فقط.

هذا واقع يؤكد أن الأزمة تكمن في غياب الوعي المدني عن الشارع العربي وتحديدا في بلدان الثورات العربية، ليوجه الغرب سؤالا مفاده: أليس من المخاطرة أن تؤول الأمور في هذه البلدان إلى جماعات إسلامية تجد أن عليها استحقاقا جماهيريا تفرضه عليها تلك الشعارات الدينية التي ظلت ترفعها حتى وصلت إلى سدة الحكم؟

قد تفكر الولايات المتحدة في إيجاد حليف جديد لها في المنطقة، فالأحداث الأخيرة جعلتها تشعر أن المواجهة قد تطول، لكن السؤال: من هو هذا الحليف الجديد المحتمل؟