رسمي مبارك العنزي
عرعر
تروج حملة التضليل التي يقوم بها اللوبي الإعلامي لإيران في المنطقة العربية لانتصار النظام السوري على المؤامرة العالمية ضد سورية ـ كما يزعمون ـ والتي يقصد بها الثورة الشعبية السورية، ورغم أن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن النظام الأسدي استطاع استيعاب الحراك الثوري ضده، وأنه الأقوى على الأرض من خلال المجازر المتلاحقة التي لم يعرف لها العالم المعاصر مثيلا في بشاعتها وفي بشاعة الصمت العالمي تجاهها، ومن خلال الدعم الطائفي من إيران وعملائها في العراق ولبنان الذين لم يكتفوا بالدعم المادي واللوجستي بل إنهم تجرؤوا على إذلال السوريين وقتلهم في داخل وطنهم، وبرغم الدعم الصيني والدعم الروسي اللامحدود عسكريا وسياسيا وتبنيه لجميع أعمال النظام وجرائمه والدفاع عنها في المحافل الدولية الذي أسهم في دعم هذا التصور، رغم كل ذلك إلا أن المتعمق في بواطن الأمور يدرك أن كل ما حصل كان يجب حصوله رغم تكلفته الإنسانية الباهظة، لجعل مسألة سقوط النظام ثابتة لا يختلف العقلاء حولها بقدر اختلافهم على وقت حصولها.
الحقيقة هي أن الثورة التي سميت بثورة المستحيل هي من استوعبت النظام أمنيا واقتصاديا وعرته أخلاقيا واستنزفته عسكريا، فالثورة السورية من خلال ما يزيد على عام من التضحيات استطاعت أن تتمدد على كامل الأرض السورية، وجعلت النظام منبوذا في جهات سورية الأربع، كما أنها عطلت عجلة الاقتصاد التي يقتات منها النظام وتمول حملته الدموية من خلاله، بل واستنزفت الاحتياطي في البنك المركزي إلى النصف تقريبا، وهذا السبب كان دافعا لكثير من المترددين في التحول لمناصرة الثورة بعد عجز النظام عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة لهم كما أن الثوار السلميين والجيش الحر ثبتوا مواقعهم من خلال آليات متجددة في الداخل السوري، وأحرجوا النظام الذي كان يتباهى بسطوته الأمنية والاستخبارتية التي يرهب بها دول المنطقة، كما أنهم استطاعوا إيصال قضيتهم لمجلس الأمن الدولي الذي وضعها على رأس أولوياته من جديد. المهم والمتغير في الموضوع أن الموقف الأميركي متذبذب في مواقفه تجاه الثورة السورية، نجد ذلك في ممانعته من دعم الثوار بالسلاح على أمل أن يحدث انقلاب من داخل النظام يزيح الأسد ويبقي على النظام ليؤدي أغراضا وظيفية استراتيجيه للولايات المتحدة وإسرائيل من خلال منع تواصل جغرافي إسلامي سني على حدود إسرائيل، والاستمرار في القيام بدوره بكل أخلاص على حفظ أمن الجولان المحتل لصالح إسرائيل والتي يرفض نظام الأسد حتى التفاوض حول استعادتها! كي تستمر إسرائيل في دعم وجوده، وهو ما حدث فعلا في أوقات الضغط الدولي على هذا النظام بعد مقتل الحريري وفي بدايات الثورة السورية.
المتغير في الموقف الأميركي أنه وصل لحائط مسدود من خلال المقاربات الواقعية، ويؤثر فيه عاملان مهمان، الأول: أن وتيرة القتل والمجازر في سورية فاقت حد احتمال الرأي العام العالمي والأميركي خصوصا، وتخشى إدارة أوباما أن تقاعسها عن ضغط جدي يخرج الأسد من السلطة قد يستغله الجمهوريون في معركتهم الانتخابية للعزف على وتر أن دور أميركا يتراجع في مناطق عدة في العالم بسبب سياسة أوباما المهادنة، وأن أميركا بدأت في فقد مناطق نفوذها التقليدية. والعامل الآخر والأكثر أهمية هو تململ حلفاء واشنطن الأساسيين في المنطقة من الموقف الأميركي المتراخي الذي قد يترتب عليه سحق الأسد للثورة وبقاؤه في السلطة، الأمر الذي يراه هؤلاء الحلفاء انتكاسة استراتيجية لهم لن يسمحوا بحدوثها.
وقد أدركت واشنطن ذلك، وهي التي لا تستطيع أن تتخلى عن هؤلاء الحلفاء بسهولة، وهم الذين يشتركون معها في إدارة ملفات حساسة للاقتصاد والأمن القومي الأميركي في هذه المنطقة الحساسة من العالم، وقد أضحت بين خيارين: إما أن تقود واشنطن حملة ضغط دولية على روسيا خصوصا تسمح باستصدار قرارات من مجلس الأمن تحت الفصل السابع تقود للتغير الديموقراطي في سورية، أو أن تعمل على إيجاد مظلة غربية دولية حتى لو لم تمر عبر بوابة مجلس الأمن لجهد خليجي عربي تركي مدعوم دوليا لفرض حظر طيران جزئي أو كلي وإقامة مناطق عازلة في الداخل السوري ودعم الثوار عسكريا مما يسهم في قلب المعادلة في سورية. أجزم أن أميركا حسمت أمرها في السير لإسقاط الأسد ويبقى السؤال: متى؟