القوى العظمى، لم تصل إلى ما وصلت إليه من قوة وعظمة في إمكانياتها البشرية والمادية والسياسية والأيديولوجية؛ إلا بعد أن بذلت تضحيات مريرة في مراحل صعودها لقمة العظمة، بنجاحات وإنجازات مبهرة. ولا يعني وصولها إلى القمة بدون تعرضها لإحباطات وانكسارات، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه لا يعني وصولها لنوع من الكبرياء، لا يفهمه أو يستوعبه أو يقدره إلا من وصل إلى القمة مثلها. مع وجوب الفهم، بأن الحفاظ على التربع على قمة العظمة، لا يقل عناء عن مهمة الصعود إليها، وهذا سر أن القوى العظمى لا تلعق جراحها.

القوى العظمى تتحمل آلام جراحها، بسبب عظمة مقدراتها وخبرات النجاحات والإحباطات المتراكمة لديها، ولذلك فهي تتحمل ترك جراحها مفتوحة ولا تضمدها إلا بجرح مماثل أو أشد تصيب به جسد من فتح الجرح أولاً بجسدها. فيوم عند القوى العظمى، كسنة مما تعد الدول العادية؛ فهي لا تستعجل قطف الثمار قبل استوائها أو رد الإهانات قبل أوانها. كل قوة عظمى لديها منطقها الخاص بها، الذي تحركه ضمن مصالحها التي تضمن لها أسباب ووسائل قوتها، ولو أتى ذلك على حساب منطق الغير أو حتى منطق الحق. فهنالك ما تم التعارف عليه بمنطق القوة أو حق القوة، فالتاريخ تم بناؤه على أساس منطق القوة وليس على أساس قوة المنطق.

الجلوس على القمة يتيح للجالس عليها، فرصة النظر لسفوحها من أعلى، أي النظر للأشياء ومعاينتها، بشكل أوسع وأدق، من معاينة القابعين بين السفوح، الذين لا يرون أبعد مما تسمح لهم به مواقعهم المتخندقة. إدارة القوة العظمى تتم عن طريق فرش خارطة الكرة الأرضية بكاملها أمامها، فكل ما يحدث أو يتحرك على سطحها محسوب وبدقة، إما لها وإما عليها، ولذلك فهو يدخل في نطاق مصالح منطقها، ولو لم يدخل ذلك ضمن قائمة منطق أصحاب السفوح. ولذلك فلا يفهم منطق القوة إلا من يتحرك ضمن منطق القوة؛ أما من لا منطق قوة لديه، فهو يظن أن تحرك القوة هو تقسيم له وتقاسم عليه، فالعالم إما قاسم أو مقسوم، مع قلة وندرة القاسمين وكثرة ووفرة المقسومين، فمن لا يقسم بالقوة، يصبح مقسوما بالقوة، وبين القاسم والمقسوم أقسام مقسمة.

فمنذ فجر التاريخ والأقوياء يصنعون التاريخ ولا يهتمون بمن يكتبه، والضعفاء يزيفون التاريخ وعليه يخافون ممن يكتبه؛ لأن منطق القوة، يجد الملايين مستعدة لتبريره والأكثر منهم متهيئون لقبوله. أما العاجزون فيعتمدون على إعدام الذاكرة الجمعية، حيث لا منطق قوة يسعفهم ولا قوة منطق تساعدهم على تبرير وجودهم.

العاجزون، هم وحدهم عاجزون، لعجزهم عن إدراك وفهم معطيات حاضرهم الملازمة لهم مكانياً وزمانياً؛ ناهيك عن إدراكهم وفهمهم لمعطيات التاريخ، المفارقة لهم زمانياً ومكانياً، ولو توهموا عكس ذلك. إذاً فالمنطق المتحكم بالإدراك والفهم هو منطق الأقوياء؛ وعليه فمنطق الأشياء لا يتغير بتغير الأشياء ذاتها أو على حسب تماثلها، وإنما بتغير من يتحكم بالأشياء، حيث هو من يمتلك القدرة على تشكيلها، وعلى إعادة ترتيب صياغة منطق الأشياء والتسويق لها.

الأقوياء ملكوا الماضي، بفهمهم الرشيد له، ولذلك استحقوا تملك الحاضر بكل جدارة والتخطيط لامتلاك المستقبل والتحكم به، هم وحدهم من يعون الماضي، لا يعييهم الحاضر، وغيرهم ممن يعييه الحاضر، فقد أعياه فهم الماضي. ولذلك، فالأقوياء يفعلون ويتفاعلون ولا يقولون، والعاجزون يقولون ويتقولون ولا يفعلون. الأقوياء مجتمعون وهم متفرقون، لكون كل منهم قوة بحد ذاتها، يعرف إمكانياته وعليه يدرك مهمته حسب تواجدها كحقيقة على الأرض؛ وأما العاجزون فهم متفرقون وهم مجتمعون، لكون كل منهم عجزا مدقعا بحد ذاته، لا يعرف إمكانياته وعليه لا يدرك مهماته، هذا إن في حال امتلاكه لإمكانيات؛ فالعاجزون عاجزون، سواء تجمعوا أو تفرقوا. القوة تصنع الأشياء، ولكن الأشياء، ليست بالضرورة تصنع القوة، فقد تصنع الوهن بدل القوة، في الكثير من الأحيان والحالات.

الحاضر بالنسبة للأقوياء مفهوم، وعليه فالمستقبل بالنسبة لهم مخطط ومرسوم؛ أما الضعفاء فالماضي بالنسبة لهم مفهوم أما الحاضر فبالنسبة لهم موهوم، ناهيك عن المستقبل فهو بالنسبة لهم معدوم. الأقوياء وصلوا إلى ما هم عليه من قوة، عن طريق العقل، ولذلك احتفظوا بقوتهم وزادوها قوة على قوة؛ أما الضعفاء فيريدون الوصول إلى القوة خارج منطق العقل والمنطق، ولذلك فقوتهم المزعومة أو المرجوة تزيدهم ضعفا على ضعف وعجزا على عجز. وعليه فلا قوة خارج العقل ولا عقل خارج القوة. الأقوياء اعترفوا أولاً بضعفهم وعجزهم، ثم قرروا أن يكونوا أقوياء، أما الضعفاء فهم ضعفاء لعجزهم عن مواجهة ضعفهم والاعتراف به.

تبدأ القوة بالإبرة ثم تنتهي بالصاروخ، وبين الإبرة والصاروخ مسافات طويلة ووعرة، تحتاج لأكثر من صبر ومثابرة. فالإبرة هي أم الحاجات، والصاروخ هو خاتمتها والحامي لها. من يبحث عن القوة بالصاروخ قبل الإبرة، كمن يروض الأسود بدون دراية بها أو خبرة. الوصول إلى منطق القوة، يحتاج إلى قوة منطق ترتب له أولويات الصعود لقمة القوة. صحيح أن القوة تبدأ من الضعف، ولكن غير صحيح أن الضعف وحده يؤدي إلى القوة. أي أن هنالك خارطة طريق واضحة المعالم، للوصول إلى القوة؛ وهنالك أيضاً "لخبطة" طريق للمكوث بحالة الضعف والانحدار للأسوأ من الضعف. لن يستطيع أحد الوصول إلى القوة من غير إنسان قوي، وليس هنالك إنسان قوي من غير كرامة محفوظة ومصانة، وليس هنالك كرامة من غير احترام للعقل وتبجيل له، وليس هنالك احترام للعقل من غير حرية وافرة، وليس هنالك حرية من دون عدالة قائمة. القوة تحتاج لكر، ولا يستطيع بناءها إلا من يكر ولا يستطيع أن يكر إلا الحر، إذاً لا يصنع القوة غير الأحرار أهل العقل والعدل والمروءة. فمن ليس بحر فعليه أن يفر ولا يكر، فكره من موقع ضعفه يضر ولا يسر. هنالك فرق بين القوة ووهم القوة وبينهما مسافات سحيقة، وهم القوة هو أن تتصرف كأنك قوة، ولكن بدون قوة، وهنا يختفي لديك وهم القوة وتظهر عليك علامات قوة الوهم، مع بروزها كلها وعلانيتها، وكل يراها بوضوح وشفافية عدا الواهم بوهمه والمتوهم بوهم غيره، هي لعقك لجراحك ولعقك لجراح غيرك، وإدمانك لعق الجراح، حتى تصنع من تاريخك جراحات لتلعقها وحدك ولنفسك وبنفسك، متى ما عدمت الجراح من حولك أو من حول من هم حولك. فتهدد وتتوعد غيرك بكل ما لا تملكه، لا بل بكل ما يملكه هو، والذي يملك حتى كل ما تملكه، وما لا يسعفك حتى وهمك القوي بأن تفكر في أن تملكه. وتستفزك كل صغيرة وكبيرة، وتجعلك الأحداث تتطاير في مهب الريح وكأنك بعوضة، لا يخافك الأقوياء ولكن يتحاشون لسعتك الملوثة من تحت الملابس. فليس كل فأر يدهسه الفيل من الضروري أن يكون ندا له، لكون الفيل تواضع ودهسه.