إن علاقة المرء بالوطن لا تنشأ من تفاعل ماديّ محسوس بأن يكون مكانا لمولده وحسب، بل تنشأ من عوامل فكرية ومعنوية عديدة كأن يحبه الوطن ومن ثم ينتمي هو لهذا الوطن في علاقة حب محسوسة وحقيقية ومتبادلة. إن الانتماء الوراثي لمفهوم الوطن هو انتماء ناقص ما لم يكن منتمياً بكل وعي، فالانتماء لوطن ما هو قرار وليس ميراث خلفه لنا الأجداد. فأجدادنا خلفوا لنا الأرض والمكان وعلينا نحن اتخاذ قرار الطريقة التي ننتمي بها للوطن.

يوم الوطن، وليس وطنا ليوم، قد لا يكون لائقا بما يكفي لوطن كبير يمتد من القلب إلى الجذور ومن الأرض إلى سماوات الوجود, الوطن الذي يسكننا ونسكنه هو ما قال عنه هوميروس: ليس هناك شيء في الدنيا أعذب من أرض الوطن.

فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها المقام وفيها الآباء والأجداد، ومهما تتعرض هذه العلاقة بين الإنسان ووطنه لنوع من التشويه والقطيعة أو الفهم غير الدقيق فإن أحدا لا يمكن إلا أن يحب الأرض التي ولد عليها، فحب الوطن والمكان فطرة ارتبطت بالبشر جميعا، وهذا يقودنا إلى كيفية فهم الناس للوطن، ومن ثم آلية ممارستهم للوطنية، واحتفائهم بها وممارسة طقوسهم الوطنية على كل المستويات في خطابهم وسلوكهم، فالاحتفاء بالوطن حق مشروع، ولكن الممارسات الخاطئة التي لا تمت للوطن بصله مرفوضة، لأنها ليست أكثر من خلل في مفهوم اليوم الوطني، فالذين يقومون بالفوضى والعبث والاحتفال باليوم الوطني بطريقة أشبه ما تكون بعملية إسقاطية لرغبات مكبوتة مثل الرقص في الشارع والخروج في تظاهرة عبثية ليست مما يمكن أن نقول عنه إنه "وطنية" وهو ما يكشف حقيقة انتماء الإنسان للوطن وحقيقة هويته وأخلاقياته.

الاحتفاء بالوطن ليس ممارسات اجتماعية يمارسها أفراد تحت ذريعة الاحتفالية باليوم الوطني. الوطن ليس مؤقتا وليس طارئا، والاحتفاء به هو انتماء إليه وإلى سلامه وأمانه، علينا جميعا أن نكرس هذا الانتماء بتحقيق الوطنية في شكلها الحقيقي، فالوطنية لم تكن يوما تلك الممارسات العائمة والشعارات البراقة والأناشيد الحماسية، وهي ليست لباساً أو لهجة أو جنسية.

من حق الوطن علينا أن نحمل له كل معاني الحب والإخلاص، وأن نجعل حبه في قلوبنا، واعتبار اليوم الوطني يوما للتجديد لحب وطني لا تحده حدود، عبِّر عن ذلك الحب لوطنك بأفعالك لا بأقوالك.

لتكن هذه دعوة لحب الوطن بطريقة مختلفة، حب الوطن ليس شعاراً وليس ادعاءً. فلنحب وطننا بالطريقة الصحيحة. حب الوطن ليس يوما، حب الوطن حياة وانتماء نعيشه كل يوم.. يقول الشاعر أحمد شوقي:

وللأوطان في دم كلّ حرٍ يدٌ سلفت ودينٌ مستحقّ

هكذا نحب الوطن، وهكذا ينبغي أن يحبنا الوطن.