حضر شهرام أميري يوم السبت 17 يوليو في أستوديو القناة الثانية لتلفزيون الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليطلع الشعب الإيراني حول "القضية المثيرة لاختفائه وظهوره في الولايات المتحدة الأمريكية."
لكن الشاب السمين الذي تحدث أمام الكاميرا حول "التعذيب النفسي والجسدي" خلال الفترة التي كان "مخطوفا" فيها لم تظهر ملامحه أنه قد أمضى أوقاتا عسيرة ومرّة في الولايات المتحدة الأمريكية.
الحوار الذي استغرق نصف ساعة لم يقنعنا نحن الإيرانيين المتابعين للأحداث ولا المواطنين العاديين ولا مقدم البرامج التلفزيونية على ما يبدو، لكن أميري وعلى غرار أفلام "جيمس بوند" ادعى أنه اختطف وأفلت من يد خاطفيه بمهارة عالية!
المقابلة التي أجراها أميري ولم تقنع الإيرانيين العاديين وغيرالمتخصصين في الشأن الأمني تكشف حال شهرام أميري التي يرثى لها وجهاز المخابرات الإيراني الذي يشك دائما بكل شخص وأي شيء فما بالك بشخص مثل أميري!
يعرف كل من لديه معرفة قليلة في القانون، وخاصة من المواطنين الأمريكيين، أنه طبقا للقوانين في الولايات المتحدة لا يمكن لأجهزة المخابرات في هذا البلد خطف أشخاص من الخارج ونقلهم إلى أمريكا.
لا شك أن أجهزة المخابرات المختلفة تلجأ أحيانا إلى أساليب مختلفة للوصول إلى أهدافها، ولكن استخدام "الأساليب المختلفة" لا يمكن اللجوء إليه إلا عبر القانون. يمكن أن نسمع بعمليات اختطاف في كولومبيا أو أفغانستان أو مناطق أخرى من العالم، لكن الخاطفين لا يسمحون للمختطف بالهروب بسهولة قبل وصولهم إلى الهدف حتى يقوم المختطف بعدها بكشفهم وتعريتهم.
كم مضى على اختطاف الإمام موسى الصدر؟ هل أفلحت الجمهورية الإسلامية في الحصول على معلومة عنه؟ خطف الأفراد من مكان ونقلهم إلى مكان آخر تترتب عليه قضايا قانونية كثيرة، وعلى هذا الأساس فإن إيطاليا ترفض بشدة الرواية الليبية التي تقول إن الإمام موسى الصدر نقل إليها بعد الاختطاف.
تنفق الولايات المتحدة أموالا كثيرة لمحاربة الإرهاب ومقاتلي القاعدة وطالبان ولها عناصر استخباراتية خاصة للوصول إلى قادة هذه المجموعات، ولكن لم نسمع بأنها قامت بنقل أي من المنتمين للميليشيات إلى أراضيها بغير علم الحكومة الأفغانية، حيث إن نقل المتهمين المراقبين، حتى أعتى أعدائها، إلى أراضيها تترتب عليه مسؤوليات وينص القانون على التزام السجانين بالحقوق القانونية والإنسانية للسجناء في هذا البلد.
ولهذا السبب فإن قضايا الإرهابيين المعتقلين في "معتقل جوانتانامو" لم تحل إلى الآن، حيث إن اعتقالهم ونقلهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى إغلاق المعتقل وأصبحت الحكومة ملزمة بتعيين محامين لهم والبت في قضاياهم.
كيف يمكن أن نفهم أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية، التي يقع كل شيء فيها تحت مجهر وسائل الإعلام والكونجرس، بخطف مواطن إيراني "على سبيل الخطأ" ونقله إلى أراضيها، ومع ذلك لم يقم الكونجرس أو مجلس الشيوخ باستيضاح المسؤولين الأمنيين في هذا البلد عن هذا الأمر؟
القانون في الولايات المتحدة يختلف عما هو عليه في إيران والعديد من دول العالم الثالث، ولا يمكن في هذا البلد تغطية الفضائح السياسية والأمنية بسهولة. مثل هذه القضايا تثير قضايا كبيرة في البلد.
ليس مهما إذا كان شهرام أميري مطلعا على الأمور الحساسة للبرنامج النووي أو عدم امتلاكه معلومات بهذا الشأن، ولكن ما يهتم به الإيرانيون هو عودة أميري إلى إيران واستغلاله للدعاية الإعلامية.
الحرب الباردة بين إيران والولايات المتحدة والضربة التي تلقتها طهران بعد المصادقة على العقوبات الرابعة كانت قوية، لذا أصبح من المهم لها أن تتظاهر بالمظلومية في العالم.
إيران تستغل السيد أميري لتظهر أن غالبية دعايات الغرب وخاصة الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني لا أساس لها من الصحة وأن ادعاءاتهم بامتلاك وثائق مهمة تثبت عدم سلمية مشروع إيران النووي لم تكن إلا ادعاءات مفبركة وكاذبة.
لكن الدعاية التي أثاروها حول شهرام أميري في التلفزيون الرسمي والصحف المحلية لها مغزى آخر، حيث إن شريان الاقتصاد الإيراني، أي سوق طهران وسوق تبريز، قد شهدت إضرابات طويلة احتجاجا على قوانين الضرائب الجديدة التي أقرتها السلطات، وقضية شهرام أميري غطت على هذه الإضرابات وحرفت أنظار الناس إلى هذه التسلية البوليسية.
الغلاء والتضخم الناجمان عن عدم كفاءة المسؤولين والمقاطعة الدولية المفروضة على غالبية السلع التي تستوردها البلاد سببت جميعها ارتفاع أسعارالسلع بشكل كبير. فارتفعت أسعاراللحوم بنسبة 50 % مقارنة بالعام الماضي في حين لم ترتفع رواتب الموظفين. من ناحية أخرى، ينقطع التيارالكهربائي لساعات في طهران ومناطق أخرى، لذلك فإن الشعب الذي يعيش هذه الأوضاع بحاجة إلى من يسليه مثل مغامرات أميري وعبدالمالك ريجي، حيث تساهم هذه الأساليب مع السلطات في الحد من الغضب الشعبي.
ولكن ماذا سيحل بشهرام أميري بعد انتهاء التسلية هذه؟ عبدالمالك ريجي واجه حبل المشنقة، لكن أميري استقبلته السلطات بالورود في مطارالإمام الخميني! ولكن لنمعن النظر في التصريحات الحكيمة لمنوشهر متقي، وزير خارجية إيران، خلال زيارته إلى البرتغال حيث قال: "نحن ننتظر لنرى ماذا حدث خلال السنتين الماضيتين وسنقرر بعدها فيما إذا كان (شهرام أميري) بطلا أم لا!".
ينتظر الإيرانيون والمراقبون ليروا ماذا سيحل بالسيد أميري الذي يدعي أنه هرب من يد رجال الأمن الأمريكيين، فهل يفلح هذه المرة بالخروج بنجاح من التحقيقات الأمنية؟ حيث شهدنا سابقا أن بعض من خضع لهذه التحقيقات في إيران توفي بعد فترة بنوبة قلبية.