بين المئات، بل الآلاف في الخيمة العكاظية العملاقة، انخرط الزميل الأديب الشاعر، إبراهيم طالع في نوبة بكاء وهو يستمع إلى الفرقة الحية أمامنا تعزف السلام الملكي الوطني وكان منظرنا له ومن حوله احتفالية خاصة وهنا لن يتسع المقام لوصف لحظات أخاذة من شعور مواطن صادق يبكي لجرس الموسيقى التي عشقها ثم يقول: أبكي لأن أجدادي عاشوا ولم يشاهدوا وطنهم في مثل هذه اللحظة.
كنا بالآلاف في الخيمة العملاقة واقفين ولا شيء يبز قاماتنا سوى العلم المنتصب على أقصى اليمين وكان بالضبط على ارتفاع بضعف القامة. سأكتب النقيض من هذه الصورة: أمام إبراهيم طالع وعلى الكرسي تحت عينيه، جلس من كان وحيداً بين هذه الجموع، نشازاً، ولم ينهض لتحية العلم. كان ينظر إلينا وكأننا فعلنا جرماً أو تجرأنا على منكر. هو لا يعلم أننا وقفنا ـ للوطن ـ مثلما نقف أمام الضيف، ومثلما نقف أمام قادم إلى مجلس، نهضنا تقديراً لوطن هو أول من يدرك أنه ـ الضيف ـ الضخم الذي جمعنا على تلك الكراسي المعدودة من حوله. وللمفارقة: من الأحساء إلى تبوك، ومن (حريملا) إلى أبها، ومن عنيزة إلى صامطة. سأكمل رسم الصورة: حين ابتدأ الحفل بدأ صاحبنا الذي رفض تحية وطنه، توزيع كتابه على من حوله، مطبوع ضخم لا شيء فيه سوى مقالات تعبير تقليدي للمديح في نصفه وفي المراثي في نصفه الأخير لكل الرموز من الأمراء والوزراء والأعيان ورجالات الوطن النافذين. تبجيلاً في الأحياء وتمجيداً لذويهم من الأموات، حتى لم يفته أن يضيف إليه بضع وريقات في مديح أو رثاء بضعة رجال فرضوا أحداثهم بعد تاريخ طبع كتابه. وبالطبع أيضاً، تبدو الصورة مثلما قلت له بكل وضوح وكلمات مباشرة بلا لبس: أن يكون احترام ـ الوطن ـ شبهة في العلن ولكنه في ـ السر ـ مقالات للمعاريض. أن يكون الوقوف للوطن في حفل عام شبهة للمبدأ ولكنه في السر وسيلة استجداء وديباجة مطالب نكتبها بلغة إنشائية مباشرة. أن يكون ـ الوطن مشروع تكسب، لا خيمة أمة. وقصداً أكتب هذه القصة في يومنا الوطني وأنا سعيد بين عشرات، بل مئات من هؤلاء الشباب على حزام مدينتي الخضراء وقد زادوا أضعافاً إلى لونها الأخضر. الذين يسحبون من هذه الأجيال الصاعدة قيم احترام وطنهم هم من يتاجرون بهذا الوطن في الأوراق الصفراء الخفية. الذين يصادرون هذا الوطن بالتزوير من عيون هذه الأجيال هم من يستوردونه لأنفسهم وتطويعاً لمصالحهم الخاصة. وطني بالبراهين والتجارب هو الوطن الذي يستحق كل العرق والدموع، وكل هذا الحب الجارف.