الأمة الإسلامية التي كرَّمها الله بنعمة الإيمان ورفع شأنها بالفرقان ووحد شملها تحت راية السلام، أصبحت اليوم تئن تحت وطأة تراجع قدراتها الذاتية وتنافس شعوبها على الاستئثار بالسلطة المطلقة، ليهدموا بأيديهم ما تبقى من آثار المجد والعظمة والكبرياء، وليحققوا بأفعالهم ما صَعُبَ تحقيقه على أيدي الغزاة والأعداء.

في الوقت الذي تعاني أمتنا من انفجار سكاني متزايد وتدهور صحي وغذائي ومائي مزمن، وتفاقم في وتيرة الفقر والبطالة ورهبة من الانفتاح على العالم وتمادياً في الانغلاق والانفرادية والتعصب العرقي والقبلي والإخفاق في تحييد تيارات العولمة، تسعى الأمم الأخرى للتعايش جنباً إلى جنب بفتح حدودها على الاقتصاد المعرفي والتطور التقني واقتحام عصر المعلومات ونبذ العنصرية والدعوة لحقوق الإنسان، واستغلال الإعلام كيفاً وكماً وتحقيق أهدافها من خلال النظام العالمي الجديد وتشكيل تكتُّلاتها التجارية العالمية العملاقة.

في نهاية شهر سبتمبر من كل عام تصدر التقارير السنوية للمؤشرات القياسية الدولية. في المؤشر الاجتماعي احتلت النرويج المرتبة الأولى في التنمية الإنسانية، وجاءت السويد في المركز الأول بتساوي المعاملة بين الجنسين، وحققت سويسرا المرتبة الأولى في نوعية الحياة المتوفرة لمواطنيها. وفي ال‍مؤشر الاقتصادي، احتلت المراتب الأولى كل من فنلندا في التنافسية الاقتصادية، وهونج كونج في الحرية الاقتصادية، وهولندا في حماية البيئة، والدنمرك في جاهزية بنيتها التحتية المعلوماتية، وأميركا في علوم الإنترنت والكمبيوتر، وبريطانيا في أعداد المتعلمين، وفرنسا في استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية، واليابان في قدرتها على استخدام مزاياها النسبية، والهند والصين وكوريا الجنوبية في نسب نمو اقتصاداتها.

في مؤشر الحرية الاقتصادية جاءت 15 دولة أجنبية في مقدمة أفضل من يمارس الاقتصاد الحر، بينما جاءت إيران في المرتبة 146 وليبيا في المرتبة 149 من أصل 157 دولة. وفي مؤشر تنمية الموارد البشرية جاءت إسرائيل في المرتبة 24 والكويت في المرتبة 30، بينما تراجعت اليمن إلى المرتبة 153 وموريتانيا إلى المرتبة 156.

الأمة الإسلامية التي تتكون من 57 دولة من أصل 203 بلدان حول العالم وتشكل 28% من مساحة اليابسة ويزيد عدد سكانها على 26% من سكان المعمورة، لم يُصنّف أيّ من بلدانها بالدولة المتقدمة، بل جاءت 31 منها في مصاف الدول الأقل نمواً و26 منها حصلت على صفة الدول النامية. والسبب أن 50% من شعوب العالم الإسلامي يعيشون تحت وطأة الفقر و25% منهم يواجه الجهل و33% منهم يرزحون تحت عبء البطالة و17% يعانون من الأمراض المزمنة، إلى جانب افتقارهم للتكتلات الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية والتحالفات التجارية.

العالم الإسلامي الذي يطل على 18 بحراً و3 محيطات و4 بحيرات مشتركة، لا يمتلك سوى أضعف أساطيل النقل البحري وأقدم البوارج الحربية وأقل الغواصات الدفاعية عدداً وعدةً. وفي الوقت الذي يمتلك العالم الإسلامي 65% من ثروات المعمورة و15% من المساحات الزراعية العالمية والتي يجري فيها 250 نهراً من أكبر أنهار العالم وتحتوي على أكثر من 10000 منبع للمياه العذبة، ما زالت حصته الإنتاجية العالمية تنخفض تدريجياً إلى 12% في الصناعة، و10% في الزراعة، و4% في الخدمات، ليصبح من أكثر دول العالم استهلاكاً للسلع والخدمات الأجنبية.

العالم الإسلامي الذي فاقت مساحته عشرة أضعاف مساحة دول الاتحاد الأوروبي، تتراجع تجارته البينية الإسلامية إلى 16% من تجارته مع العالم الخارجي، بينما تزيد على 54% بين دول مجموعة "آسيان"، و70% بين دول الاتحاد الأوروبي، و80% بين دول جنوب أميركا. وصادرات العالم الإسلامي التي تفوق 40% من صادرات العالم للمواد الخام، لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي 5% من الناتج الإجمالي العالمي.

الأمة الإسلامية التي أسست أول جامعة في تاريخ البشرية، وهي جامعة القرويين التي أنشأتها السيدة فاطمة بنت محمد الفهري في عام 859م بمدينة فاس المغربية، وتخرج منها العديد من علماء الغرب، ودرس فيها بابا الفاتيكان "سيلفستر الثاني"، تراجعت اليوم مراتب جامعاتها وهاجر معظم خبرائها وجل علمائها. ولا غرابة في ذلك فعدد جامعات العالم الإسلامي، الذي يفوق عدد سكانه خمسة أضعاف عدد سكان اليابان، لا تزيد على 500 جامعة بينما يرتفع عددها في اليابان إلى 726 جامعة، وفي أميركا 5700 جامعة، وفي الهند 8400 جامعة. ولا عجب في ذلك وعلماء المسلمين في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء تدنت نسبتهم إلى 3 علماء من بين كل 10,000 مسلم بينما تفوق 40 ضعفاً في أوروبا و50 ضعفاً في اليابان و54 ضعفاً في أميركا، لتنخفض نسبة عدد علمائنا إلى 230 عالما لكل مليون مسلم، بينما ترتفع هذه النسبة إلى 5000 عالم لكل مليون نسمة في اليابان و4360 عالما لكل مليون نسمة في الهند.

منذ غزو العراق في 2003، تسببت التفجيرات الانتحارية بقتل أكثر من 12.350 عراقيا وإصابة ما يزيد على 35,000 آخرين، منهم 75% من الرجال و11% من النساء و14% من الأطفال ومعظمهم من المسلمين. ومنذ اندلاع ثورات الربيع العربي لاقى 70 ألف عربي حتفهم وكان معظمهم من المسلمين. ومنذ انتشار التطرف المذهبي في نيجيريا أوائل عام 2002م، تسببت الجماعة الإسلامية "بوكو حرام" في أعمال العنف التي أودت بحياة 140 شخصاً في 139 عملية شنتها على مناطق متفرقة في نيجيريا، وأغلبهم أيضاً من المسلمين.

أمتنا الإسلامية تعيش حالياً حقبةً من الزمن لا تحسد عليها.