تحدثت في مقال سابق عن إلقاء الضوء على قضية تهم المجتمع، ولا نعود لمتابعة النتائج، وما وجدته بعد مضي سنوات من تحدث العديد من كتابنا الأفاضل بالإضافة إلى ما قدمته في نفس الموضوع، أن الشكاوى ما زالت تدور في نفس الحلقة، فارتأيت أن أعيد الكلام لعل التذكرة تفيد، وإن لم يحدث سوف أعود إلى أن يحدث أحد الأمرين: أن يلفظني الإعلام أو يحدث ويسمع من خلالنا صوت معاناة المعاقين في وطننا الغالي، فالوطنية ليست أرضا وتراثا وشعارا وألوانا فحسب؛ إنها المحافظة على إنسانية من على هذه الأرض.

يقال إنه عندما نرى أو نسمع عن مشاكل الغير تهون علينا مشاكلنا.. ربما ولكن هل يعني هذا أن نقف كمشاهدين لمجرد اعتقادنا بأن ما لدينا من مشاكل لا يسمح بالتفكير بالغير؟ لا أتحدث هنا عن مساعدة الفقراء والمحتاجين أو المتعسرين، أتحدث عن الأطفال ذوي الإعاقات المتعددة والشديدة. لنستعرض معاً هذا السيناريو: تقصد يوما السوق مع طفلك الذي يرهق العضلات بحركته والأعصاب بطلباته التي لا تنتهي.. تنظر إلى اليمين فترى طفلا ينتظر والدته بهدوء بينما تحاسب البائع، وإلى الشمال طفلة جميلة تضحك وتلاعب أخاها الصغير، وتدير نظرك إلى الأمام، هنا يقع نظرك على أم تدفع عربة بداخلها طفل في سن العاشرة تقريبا.. يصدر أصواتا غريبة، غير قادر على التحكم بحركاته.. بسرعة تعود بنظرك إلى طفلك المشاغب وتشعر بالراحة وتشكر الله على نعمته.. هل تتساءل إن كان هذا الطفل المعاق يتلقى الرعاية الشاملة (الخاصة بحالته)؟ وهل هنالك الكثير مثله؟ بالطبع لن تشغل بالك بهذا النوع من الأسئلة.. يكفيك مشاكلك!

ما جعـلني أتساءل وأهتم هو موت ابن زميلة لي في العمل اسمه أحمد. أدخلته مركز التأهيل الشامل للإناث مؤقتا لعدم وجود مكان لدى مركز الذكور. أدخلته في سـن الحادية عشـرة بعد انتظار دام أربع سنوات. كان أحمد يعاني من شلل رباعي وشلل دماغي، يحتاج إلى رعاية وعناية مستمرة ومتخصصة.. ووالدته لم تستطع توفير ذلك براتب مستخدمة تحتاجه للصرف على بقية أفراد الأسرة.. ولكن أحمد مات بعد دخوله المركز بشهر.. تقبلت أمه وفاته بنفس مؤمنة راضية بمشيئة الله، تدعو بالخير لمديرة المركز والعاملات فيه للمعاملة والرعاية الحسنة التي تلقاها ابنها.

شهر واحد.. هذا كل ما استطاع أن يحصل عليه من حقوقه كإنسان. الحقوق التي ضمنها له نظام رعاية المعاقين الذي صدر بموجب المرسوم رقم (م/73) وتاريخ 32/9/1412 وعند الرجوع إليه نجد أن في المادة الأولى من نص النظام؛ تعرف الرعاية على أنها ''خدمات الرعاية الشاملة التي تقدم لكل (وليس البعض) معوق بحاجة إلى الرعاية بحكم حالته الصحية ودرجة إعاقته، أو بحكم وضعه الاجتماعي''. وفي المادة الثانية يقول النص: ''تكفل الدولة حق المعاق في خدمات الوقاية والرعاية والتأهيل''.. أين الخلل؟ لماذا انتظر أحمد أربع سنوات للحصول على حقوقه؟

لكي أوضح الصورة سأتعرض لبعض الإحصائيات الخاصة بالمراكز التي تستقبل وتؤوي المعاقين ذوي الإعاقة الشديدة والمتعددة، ولكن هناك العديد من المصادر التي تحدثت عن الإعاقة في المملكة ذكرت صعوبة تحديد أو تصنيف الإعاقات، وذلك بسبب إحجام الكثير عن التبليغ بوجود معاق في الأسرة بسبب الجهل أو الإحراج أو الخجل. يذكر التقرير عن المعاقين في المملكة الذي قامت به الوكالة التعاونية العالمية اليابانية، قسم التخطيط والتقييم لعام 2003 (الأعداد تشمل الذكور، الإناث، الأطفال) أنه يوجد 21 مركزا للتأهيل الشامل يخدم 2651 معاقا، و3 مراكز تأهيل اجتماعي تخدم 578 معاقاً، و7 مراكز للتأهيل المهني تخدم 1035 معاقاً، (وقمت اليوم بزيارة موقع وزارة الشؤون الاجتماعية فوجدت أن العدد قد زاد إلى 24 مركزا، بمعنى من عام 2003 إلى عام 2012 زيادة مركزين!) أما في التقرير عن ''مراكز الرعاية لذوي الاحتياجات الخاصة في المملكة العربية السعودية'' الصادر عن مؤسسة الأمير سلطان الخيرية عام 1994 (الأعداد تشمل الذكور، الإناث، الأطفال)، فلقد لفت نظري أحد شروط القبول لعدد من المراكز: خلو المعاق من الأمراض المعدية أو الأمراض الجنسية! من أين لشخص ذي إعاقات متعددة وشديدة منها العقلية والحركية أن يلتقط أمراضاً جنسية؟! هذا يعني أنه ورد إلى المراكز كثير من هذه الحالات! هل حقق في الأمر من الجهات المختصة وعوقب الجاني أو المتعدي؟ هل يحول المعاق أو المعاقة إلى مستشفى فورا ولا يترك الأمر لولي أمر المعاق؟ هل يبقى المكان في المركز محجوزا لحين العودة من العلاج؟ أسئلة أرجو أن تكون إجابتها أن الشرط كان غلطة مطبعية!! بالعودة للتقرير نجد أن مراكز التأهيل الشامل تخدم 3365 وقائمة انتظار تصل إلى 3045 معاقاً، ومراكز التأهيل الاجتماعي تخدم 753 وقائمة انتظار تصل إلى 1300 معاق.

إمعانا في التأكد من استمرارية وجود قوائم الانتظار حتى عامنا هذا قمت بالاتصال بمركز التأهـيل الشامل للإناث بجدة حيث رفضت المسؤولة إعطائي أي معلومة حتى أحضر شخصيا إلى المركز بخطاب رسمي!! ولكن مركز الذكور كان أكثر تعاونا! العدد الحالي الذي على قائمة الانتظار للذكور في حدود 400 والإناث في حدود 200، وقد يمتد الانتظار إلى عدة أعوام لأن المعاق يبقى في المركز إلى أن يتوفى أو إذا بلغ سن الخامسة عشرة وكان بنسبة ذكاء 50 درجة وما فوق ويستطيع الاستفادة من التأهيل يحول عندها إلى التأهيل المهني (للمعاقين) في جدة، أما الإناث فيحولن إلى مركز التأهيل المهني (للمعاقين) في الطائف.

بعد هذا الاستعراض الإحصائي التقريبي، نظرا لعدم وجود إحصائية دقيقة ورسمية... أصل إلى ما أريد أن أقوم به كمواطنة تشعر بالمسؤولية.. ترغب في مد يد المساعدة ضمن حدود إمكاناتها، وذلك عن طريق إلقاء الضوء على مشكلة يعاني منها الكثير، وبالتالي تحتاج إلى حل.

من غير المعقول أن يحرم مواطنون من خدمات قدمتها لهم الدولة! فيجب ألا ننسى قول خادم الحرمين الشريفين: ''إن الإنسان السعودي ورفاهيته وتنميته تقع في مقدمة اهتمام الدولة دائما''، قال إنسان... ولم يحدد (رجلا، امرأة، شيخا، طفلا، سليما، معاقا) فكلمة الإنسان تشمل الجميع. فهل تضع وزارة الشؤون الاجتماعية ضمن أولوياتها تأسيس مراكز جديدة تقضي على قوائم الانتظار وتخفف من معاناة هذه النوعية من المعاقين؟ هل يقوم القطاع الخاص متمثلا في رجال الأعمال وأصحاب المصانع والشركات بدورهم الاجتماعي والإنساني نحو أبناء وطنهم بالمساهمة في إقامة مراكز متخصصة لرعاية هذه النوعية من المعاقين؟ للأسف ما زلنا ننتظر!