ليس من المنطقي أن قرابة الستة ملايين نسمة الذين يعيشون في مدينة حديثة وناشئة مثل الرياض لا يعانون من إشكالات تنموية تعترض حياتهم اليومية في هذه المدينة التي تتسع بشكل مطرد. اتساع مستمر في الأحياء، واتجاه توسعي في مختلف الأنحاء. تشعر بالدهشة حين تذهب إلى أحياء الغرب والجنوب، ستجد أنك أمام أحياء جديدة جدا ومستمرة في الاتساع، بل ومن خلال كثافة أغرت كبريات الشركات أن توجد لها فروعا ومقار في تلك الأحياء الجديدة، والجانب الإيجابي الذي أسهمت به تلك الأسواق والشركات الجديدة أنها جعلت جميع الأحياء عامرة بمختلف مراكز التسوق والماركات التجارية، فما تبحث عنه في شمال الرياض تجده في جنوبها وفي وسطها.
ولأننا ندرك أن ذهنية العرض والطلب يفترض بها أن تصبح حاضرة في فكر المؤسسات والأجهزة الحكومية، بات من الأولى أن تتجه مختلف الوزارات ذات التعامل اليومي مع الجمهور لتطبيق ذات الفكرة، وهي الفكرة التي طبقتها جزئيا الإدارة العامة للجوازات والغرف التجارية، فالاتساع الهائل الذي تشهده الرياض يجعل من المنطقي وجود مكاتب تمثيل لمختلف الوزارات في مختلف أنحاء العاصمة، لأنه سيسهم في تخفيف الإقبال على الوزارات الرئيسية، وفي ذات الوقت سيخفف من زحام العدد الهائل من الموظفين الذين يتدفقون على وزاراتهم صباحا حين يتم توزيع جزء كبير منهم على تلك المراكز الوزارية الخدمية الجديدة.
اتجهت أمانة مدينة الرياض منذ سنوات لتجعل من أرصفة المشاة جانبا مهما في كل شوارعها، وأعادت تأهيل عشرات الشوارع لتلبي هذه الفكرة الجديدة، والنتيجة أنها ظهرت لدينا شوارع غاية في الجمال والترتيب، لكنها في ذات الوقت غاية في الزحام والتكدس، وأبرز مثال على ذلك ما حدث في شارع الأمير سلطان بالعليا (الثلاثين)، إذ لم يعد الشارع يتسع في مساراته إلا لسيارتين بالكاد، حتى أصبح الانتظار أمام الإشارتين المروريتين اللتين في ذلك الشارع من أطول طوابير الانتظار. في مثل هذا الشارع أنت أمام حل من اثنين إما أن تخصصه بالكامل كشارع للمشاة أي أن يتم منع دخول السيارات إلا سيارات الخدمة، أو أن يتم فرض رسوم على استخدام الشارع، أعلم جيدا أن هناك من قد يرى في الاقتراح الثاني نوعا من المجازفة بالرضا الاجتماعي وستظهر تعليقات من قبيل: حتى الشوارع أصبحنا ندفع مقابلا ماليا لاستخدامها، لكنها تعليقات لن تلبث أن تزول حين يصبح الأمر ضرورة. وهو ذات الوضع الذي يمكن تطبيقه في شارع التحلية بالرياض، لأنه من غير المنطقي أن تكون هذه الشوارع هي الأفضل للمشاة، وفي ذات الوقت تتدفق عليها السيارات من كل اتجاه فتسلبها كل ما اكتسبته من صفات إيجابية، ويتحول استخدام هذه الشوارع إلى نوع من العذاب المستمر.
يشهد طريق الملك فهد بالرياض ما يمكن وصفه بتنحيف الأرصفة، أي استقطاع مساحات من الأرصفة وتصغير حجمها للاستفادة من تلك المساحة في تخفيف الزحام وإيجاد مسارات جديدة للسيارات التي يختنق بها هذا الشارع الحيوي يوميا. وهذا في الواقع ليس حلا، فماذا يمكن أن تصنع أمام مشكلة كبرى مثل طريق خريص وكوبري الخليج؟ هل من الممكن إلزام الشركات بالنقل العام؟ نعم هذا ممكن، على كل شركة يتجاوز عدد موظفيها العشرة أن تقدم قائمة بهم تلتزم من خلالها بتوفير سيارة نقل واحدة لهذا العدد، فالجزء الأكبر من الزحام اليومي وتحديدا في ساعات الصباح إنما يكون بسبب سيارات العمال وموظفي الشركات، خاصة في ظل غياب النقل العام، وفي ظل غياب ثقافة النقل العام.
إن عملية بناء القطارات القادمة ستحول الشوارع إلى ورشة كبيرة، وهو ما سيتسبب في ازدياد حالات الاختناق المروري، تماما كما حدث مع طريق الملك عبدالله الذي تحول إلى مستويين: الجاهز، والذي تحت الإنشاء، فالزحام الذي تتخلص منه وأنت في الجزء الجاهز ما تلبث أن تتحسر عليه بمجرد الدخول في الجزء الذي ما زال تحت الإنشاء.
الزحام في المدن لا ينتج مجرد تأخير طفيف في المواعيد، إنه ينتج حالة من الاختناق النفسي والتنموي وحتى الاجتماعي، وبالتالي فازدياد وتيرة الزحام من شأنه أن يؤثر كل جوانب الحياة في المدينة، مما يستلزم التعامل معه على أنه حل لأزمة ومشكلة قائمة، لا على أنه مشروعات تحسين وتطوير فقط.