سأبدأ بما يشغل تفكيري تجاه قناتنا الثقافية، هذه القناة الفتية التي ما تزال تبحث لها عن هوية واضحة بين خدمة الثقافة المحلية ومواكبة مستجداتها وأحداثها وبين ترنحها على مساحات البرامج الوثائقية أو تلك التي تنحو إلى العلمية النائية عن خيمة الثقافة والإبداع، ناهيك عن إصرار سياستها على جمالية الواقع وخلوه من المشكلات.

لا أحب أن أظلم برامج تبثها القناة أخذت حيزا جيدا من المتابعة، كالصالون السردي أو برنامج المنتدى على سبيل المثال، لكن برامج أخرى ما تزال تصمم في منأى عن الاحترافية أو الاستراتيجية الواضحة لقناة همها رفد الحالة الثقافية وإبراز معالمها بأسباب نلمسها وأخرى لا يعلمها إلا الله ثم القائمون على برمجة وتنيسق ما يقدم لنا، ولا أدري لماذا أشعر أن مذيعيها مقسورون على ابتسامة متكلفة فيما يكتظ حديثهم بالأغلاط اللغوية والسياقات الركيكة، أو ليست غاية هذه القناة إظهار ما نعتز به لغة وأدبا؟ ففيم الدعة وتجاهل الغاية وسبل تحقيقها؟

أعلم أن جهودا مشكورة تبذل وسعيا دؤوبا لأن تحضر هذه القناة كما حضرت شقيقاتها غير أنّا ومن عتب المحبة نلمس حاجة القناة إلى مزيد من الدراسة وتقصي حاجة المشهد والمنتمين إليه بعيدا عن الارتجال في الطرح، حتى تتمكن معها من الوقوف على أرضية راسخة وخصبة في الوقت نفسه لتمتد الجذور ويرتفع الجذع، وتسمق الأغصان فتحظى ثقافتنا بظل وارف تنعم به المراكز والأطراف قبل المدن الرئيسة، إذ ليس توافر عناصر التنمية شرطا تلازميا لوجود مبدعين كأولئك الذين تزخر بهم تلكم المراكز والجديرين بالمتابعة والتعزيز على صعيد الإنجاز الفردي أو حتى المناشط المؤسسية، وهذا كما يعلم الجميع في حاجة إلى فريق من المراسلين من المناطق جميعها، وقبل ذلك كله إدراجهم في برامج تدريبية محترفة تكسبهم مهارات الأداء والحوار وتمدهم بالأفق الثقافي المطلوب لمهمة تنويرية كهذه.

القناة الثقافية لا ينبغي لها أن تتسم بملامح ثابتة، خاصة أن سمة الثقافة هي التجدد، وما لم تخرج برمجة القناة عن النمط فإنها لن تعدو الرتابة والانغماس في التقريرية التي لا تشد مشاهدا ولا تفيد متابعا يرغب أن يكون في قلب الحدث صوتا وصورة وحوارا ومناقشة وتفنيدا، وليس لها أن تكرس لبؤر الضوء فحسب لأن زوايا أخرى كثيرة من وطننا الكبير في حاجة إلى الظهور واقتحام ساحات التميز.