عند الحديث عن موضوع تحديث الأنظمة عموما والتجارية خصوصا؛ فإن الموضوع كبير جدا، وبمراجعة سريعة للعديد من المقالات السابقة يتضح للقارئ الكثير من الجوانب التي تحتاج إلى تحديث أو إلى سنّ أنظمة جديدة، ولكن في هذا المقال خصوصا أحببت أن أركز على بعض الأنظمة التجارية القديمة التي لا تتناسب مع حاجة العصر، وتحتاج إلى تحديث وعناية خاصة.
وإذا نظرنا إلى القانون التجاري السعودي فإن الأب لهذا الباب هو نظام المحكمة التجارية، الذي صدر عام 1350، أي قبل 83 عاماً! وما زال ساري المفعول! ولهذا النظام تاريخ، كونه من أوائل الأنظمة السعودية التجارية (جاء قبله نظام المجلس التجاري عام 1345 إلا أنه ليس ساري المفعول)، وأُنشِئت بعده المحكمة التجارية في جدة، إلا أنها ألغيت في عام 1374. وتَعطلَ العملُ بهذا النظام إلى أن صدر قرار عام 1382 بإنشاء هيئة لفضّ المنازعات التجارية التابعة لوزارة التجارة.
وإذا نظرنا إلى هذا النظام فإننا سنجد الكثير من المواد التي لا تتوافق مع عصرنا ولا تعالج مشاكله، حيث إنه مكتوب قبل حوالي 83 عاما، وهو مستند في كتابته إلى قانون التجارة العثماني الصادر عام 1807، الذي استفاد هو أيضـا من القانون التجاري الفرنسي آنذاك، الذي يعود إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي!
نعم، لقد تم إلغاء العديد من أجزاء هذا النظام، مثل ما يتعلق بالشركات أو الأوراق التجارية أو السجل التجاري وغيرها، إلا أنه لا يزال فيه العديد من الأجزاء الفاعلة! وعلى سبيل المثال، ففي الفصل السادس مثلا، يتحدث عن السفاتج بالطريقة التاريخية القديمة التي لم يعد يستـخدمها التـجار إلا فـيما ندر ربما! كما ويُستخدم في النظام عبارة المملكة الحجازية! وبلاد الجزيرة العربية (بما فيها المناطق التي لم تكن داخلة تحت حكم الملك آنذاك) والمملكة المصرية! والسودان والهند البريطانيتين! وهذا يبين إلى أي درجة يصل مستوى النظام.
كما أن النظام هو الذي يحكم باب الإفلاس حتى الآن! حيث في الفصل العاشر، المواد (103-135) هي التي تعتبر الأساس في قانون الإفلاس السعودي بالإضافة إلى نظام التسوية الواقية من الإفلاس الصادر عام 1416، في الوقت الذي يجب أن يكون هناك نظام مستقل ومتطور ليعالج مشاكل الإفلاس بشكل فعال، وقد تحدثت عن هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلا في مقال سابق بعنوان (إنا لله وإنا إليه راجعون.. مفلس فأين المفر؟).
ومن الطريف أن النظام لا يستخدم عبارة الريال السعودي، حيث لم يكن وقتها موجودا! بل يستخدم عبارة الجنيه والدراهم والقروش! وعلى سبيل المثال؛ فإنه كان من الواجب إصدار قرار باستبدال هذا التعبير والمسميات الأخرى التي تغيرت، وهذا لا يحتاج إلى مشاريع قوانين ولا ورش عمل!
ومن مواد نظام المحكمة المذكور؛ المادة 145، التي تتحدث عن صرف النقود (أي المعدنية)، بأن "كل صراف يدفع نقوداً مبرودة أو ناقصة أو يرتكب أي نوع من أنواع الغش والاختلاس يجازى في أول مرة بإغلاق محله شهراً، وإذا عاد لذلك يحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر"!
ومن أهم الأنظمة التجارية السعودية؛ نظام الشركات الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 185 وتاريخ 17 /3 /1385، في زمن الملك فيصل رحمه الله، وهذا يعني أن عمر النظام يقرب من إتمام خمسين عاما! وهو قديم ويحتاج إلى الكثير من التحديث والإضافة، ونعلم أن مشروع النظام الجديد للشركات يدور بين الدوائر الحكومية منذ ما يزيد على عشر سنوات! إلا أنه لم يرَ النور حتى الآن وللأسف.
ولنذهب إلى باب مهم من أبواب القانون التجاري السعودي؛ وهو الملكيات الفكرية، حيث إذا استثنينا حقوق النشر والـتأليف منـها، فإنه يبـقى لدينا باب ضخـم من الحقوق الفكرية والأسرار التجارية التي تنظمها الكثير من القوانين في الـدول المتـقدمة، وهو باب واسع في القـانون وتـؤسس له أقسام خاصة به في الجامعات، بينما لا يوجد لدينا في هذا الباب إلا لائحة صدرت عام 1426 بقرار من وزير التجارة (لائحة حماية المعلومات التجارية السرية)، وهي تحتوي على تسع مواد تكفيها ورقة واحدة! ويبدو أنها وضعت لحماية بعض الأدوية والمنتجات الزراعية الكيميائية كما تشير إلى ذلك المادة الخامسة منها. نعم، نحن ليس لدينا الكثير من الاختراعات والحقوق التجارية في هذا السياق كما لدى الدول المتقدمة، إلا أنه يجب حماية المنتجات السعودية، وبالإمكان تكييف التقنين بما يخدم السوق السعودية والمصلحة الوطنية.
لا أريد الإطالة في هذا السياق، إلا أن الحاجة ملحة لتحديث الأنظمة التجارية السعودية، بما يخدم المستثمر والسوق السعودية أولا، والجميع يؤمِّل في معالي وزير التجارة والصناعة أن يتبنى هذه المهمة وأن يجعلها على قائمة الأولويات العاجلة في وزارته، وهو معروف بحرصه واجتهاده نسأل الله أن يوفقه إلى كل خير لصالح هذا البلد.