أستأذنكم جميعاً أن نقف مع (أحمد)، وأن ندعمه لأنه أول شاب سعودي رأيته في حياتي وهو بضاعة حقيقية تعرضت للبيع. أنا أسأل كل ضمائركم الحية أن تحيا أكثر، كي يكون (أحمد) فكرة للحب بدلاً من أن يكون مشروعاً جاهزاً للكراهية. اقرؤوني بكل التفاصيل: سهرت مع ابني (أحمد) ليل الثلاثاء الماضي من الواحدة مساء حتى تباريح الفجر بالغرفة الخامسة بقسم العظام في مشفى عسير المركزي، وهذه هي قصته: شاب في العشرين من أم مطلقة ومن نسب نقي وجذور سعودية خالصة. طفولة تائهة بائسة وشريدة. وحين ذهب (شاباً) ليطلب في جيبه بطاقة الهوية الوطنية اكتشف أن رقم سجله المدني تم بيعه من قبل، وأن وافداً أجنبياً مجهولاً يحمل اسمه بتزوير عصابة في معاملة رسمية مدونة. ومنذ خمس سنوات وهذا (الأحمد) السعودي يتحول إلى معاملة لإثبات الهوية وتصحيح الوضع، وهنا دورة المفاجأة: على السرير، وبعد نصف ساعة من الحديث تنسدل البطانية عن اليد اليمنى مقطوعة من منتصف العضد بفعل حادث سير. نظر إلى يمينه ثم بكى وهو يتحسس البقايا بأطراف أصابع "اليسار". قلت له: دعنا نبكي سوياً حتى القطرة الأخيرة، وبعد نوبة البكاء تعالوا لما قال: عشت (يا عم) طفلاً تركله الأقدام وتضرب (الكفوف) وجهه دون أن أعلم السبب. عشت مراهقتي أحلم أن أكون مثل أقراني بفسحة مدرسية من ريالين. كبرت شاباً لأكتشف أنني (المجهول) الذي باعوا رقمه الوطني لمجهول أجنبي يتاجر باسمي ويستقدم به عشرات المعلنين على حسابي. كنت أحلم أن أشاهد أمي فلا يحصل الحلم سوى سويعات في العامين. كنت أحلم أن يكون لي جوالي الخاص ببطاقة الهوية الوطنية فلا أستطيع. كنت أحلم أن أشاهد جوف الطائرة فيمنعني الخوف من المغامرة كي لا يحدث مكروه ثم أكون أنا المجهول الوحيد الذي تقع عليه الشبهة. بترت يميني وانتهت معها كل الأحلام. كيف سأختبر نهاية العام وأصابع القلم تنام في المقبرة؟ كيف سأستلم بطاقة الهوية الوطنية بلا بصمة اليمين بعد هذه السنين من الأحلام؟ كيف أضغط على أزرار الجوال بـ"يسار" كنت أظن أنها طوال عمري بلا وظيفة؟ كيف سأرد يميني لجيبي وهو الجيب الخالي طوال الحياة إلا من صدقات زملائي في المدرسة؟

اليوم: ابنكم أحمد بلا يمين، بلا هوية، بلا جيب، بلا جوال، بلا ريال. هو كل الفقر ولكنه غني بالدموع أستحلفكم بالله أن تنتبهوا إليه.