التصريح الأخير لوزير الزراعة فهد بالغنيم والمتعلق بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في المملكة وأنها أصبحت بعيدة عن إمكانية متوسطي الدخل الذين بدورهم اتجهوا بشكل كبير إلى لحوم الدواجن بسبب قلة التكلفة الإنتاجية كان تصريحا شجاعا بطبيعة الحال، وفي ذات الوقت يدلل على أن هناك شذوذا ما يقع في ديناميكية السوق، وخصوصا فيما يتعلق بتلك المنتجات الأساسية التي تتعلق بمأكل ومشرب الناس.

قبل بضعة أعوام كان هناك إشكال مشابه تعلق حينها بارتفاع أسعار الأرز، الذي يعد المكون الأساسي للغذاء في السعودية، إلا أن تصريح وزير التجارة حينها بدل حل الإشكال تعامل معه باقتراح أن يخفف السعوديون من تناول الأرز وأن يتجهوا لحمية غذائية مختلفة، في تصرف غريب لمشكلة خطيرة تماما، كما فعلت تلك الملكة الفرنسية التي اقترحت أن يتجه الفرنسيون لأكل البسكويت إن كانوا يواجهون صعوبة في إيجاد الخبز.

مشكلة ارتفاع الأسعار في السلع الأساسية أصبحت كما هو ملاحظ أمرا يقلق الجهات الرسمية، وذلك لما قد يمثله ذلك من أخطار اجتماعية وتأثيرات قد لا تحمد عقباها، فقد يكون السكوت عن أخطاء إدارية أو اجتماعية أمرا يمكن التجاوز عنه مرحليا، أما أن يصبح التهديد في مأكل ومشرب الإنسان فذلك أمر من الصعب تجاوزه والتعامل معه وكأنه مشكل من الرفاهية الفكرية أو ما إلى ذلك.

إذن ما هو الحل؟ الحلول بطبيعة الحال متعددة ولكن يجب أن تكون البداية في أن تقف الوزارة في مواجهة التجار والمزارعين وأصحاب المصالح الاقتصادية وإلى جانب المواطن، فقول البعض إن السوق الحر يجب ألا يطبق أسس الحد من الأسعار وإلا فسنتجه شيئا فشيئا لسوق أقرب للاشتراكية والسوق "غير الحر" هو حق أريد به باطل، ودعوات أصحاب المصالح أن تقوم الدولة بدعم هذه السلعة أو تلك؛ هي دعوة لدعم الدولة من مال الشعب لجيوب التجار، وهو أبعد ما يمكن اعتباره حلا جذريا وعادلا، فكيف ستقوم الدولة مستقبلا في حال ظهرت نفس المشكلة في قطاعات مهمة أخرى وكانت حينها الاحتياطيات المالية للدولة أقل من المتوفر كما حدث في أعقاب حرب الخليج الثانية؟

صحيح أن مستوى دخل الفرد السعودي دون المستوى بشكل عام، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك العامل الوحيد في عدم قدرة المواطن على شراء اللحم الأحمر، خصوصا في ظل جشع واضح للتجار، وغياب للرقابة الحكومية والأنظمة التشريعية التي تضع مصلحة المواطن لا مصلحة التاجر كأساس للنهضة الاقتصادية للبلاد.

تصريح الوزير بالغنيم كان شجاعا ولكن الشجاعة التي ننتظرها هي أن يجد هو وغيره من الوزراء المعنيين الحلول، فالأمر خطير ولا يحتمل فقط مسكنات إعلامية.