علّمتْنا تجربة القراءة أنك عندما تسمع عن الإصدار الأول لكاتبٍ ما، فسوف تهيّئ النفس لمطالعة كتاب ضمن خطوط البدايات وما يشوبها من محدوديّة وأفق مُسوّر بنتاج التجربة الأولى وحصادها القليل، غير أن الشاعر العراقي عبد العظيم فنجان في "أفكّر مثل شجرة" (منشورات الجمل، بيروت ـ 2009) لا يدخل أبدا في هذا التوقّع. الكتاب ذروة من النضج واشتداد التجربة والتبصّر العميق بجماليات الشعر والخبرة بأدواته وأساليبه.

نقرأ في أغنية الكلب "... يخلع عن المكتبة ثيابها برقةٍ، كما لو كانت امرأة، يتشمّمها من كتاب إلى كتاب، ثم يقفز فجأة، يدخل أعماق الشمعة، ويخرج قابضاً بأنيابه على فكرة الظلام". ربما يزوّدنا هذا المقطع بصورة عن المزاج الذي تقع فيه قصيدة عبد العظيم فنجان، حيث التغلغل والنفاذ؛ نزع القشور والضرب نزولاً إلى الجذور؛ اللقاء بالجوهر المندسّ بعيداً عن السطح والأشكال. لنا أن ننشئَ مرآة ونرقب كلباً يلُوحُ فيها، لكن علينا أن نهدمها في الوقت نفسه. الصورة الأولية التي منحنا إياها الشاعر وغمرها بالصفات والأفعال الملازمة لكلب الحراسة، هي ضربة تمهيدية ينبغي ألا تستغرقنا. ثمّة ما هو أوسع تنداح فيه الكلمة وتفارق الحسيّ وتلج عالما تقوم فيه الذات وحدها بعد أن انتزعت عنها رداء الصورة؛ ذريعة النزوح إلى الأعماق؛ السنّارة التي تركتْ الطُّعْمَ ونشبتْ في دخيلة الجسد الحيّ بما هو قلقٌ نازف وضميرٌ يترصّد وظِلٌّ يتخفّى، يلتقي فيه جِماعُ التجربة وخلاصتها. تلك الأغنية التي تفور منها، وتبحث عن مسرَبٍ تتحقّق من خلاله. هي النّواةُ المحمولة تنازِع الأغلفة وتتحيّن المثول؛ حضوراً هو مادّتها المتجلية بعد خبرة السَّبْر والتفتيش بين العرضي والزّائل وبين الصورة ووهمها. الفكرةُ المتنحيّة في الظِّلال تبزغ بارزةً. فكرةُ الظلام الذي يطوّق الكائن ويصنع متاهته التي لا انفكاك منها ولا ملاذ ينجي من أعطابها. عقْدٌ مبرم يلفّ صفحة الحياة، وما هذا الكلب إلا العنوان المنشور "على حبال الكون" يرجّع البؤسَ وفادحَ الخسارات في هيئة الدمع. ألم يقل لوركا ـ ذات نص ـ إنّ "البكاء كلبٌ ضخم".

إن الطاقة الشعرية التي تحفل بها نصوص عبد العظيم فنجان تتخلّق من هذا القطع مع الخارج، يتوسّل به ويغادرُه إلى مفازة القصيدة. الوقائع الشخصيّة ونتف العلاقات والمشاهدات التي تهدر من اليومي معاشة أو محلوماً بها وتلك الأوراق المتناثرة من الذاكرة أو من المدوّنة التراثية؛ يطاولها التحويل. تمرّ من الحدثيّة والخبر والصورة، وتنسكب في مجرى آخر بطانته التأمل وماؤه الحدس الذي يتغذّى بالبصيرة ويتعدّى إلى جوّانيّة تنجدل من ملامسة التخوم وصهرها في مرجل قلقٍ لا ينطفئ ولا يهدأ "... بين يديّ النومُ والأرقُ يتناوبان على رسم الحلم، وهو يحبو صغيراً، ملطّخاً بالقلق".. "قلقي حجرٌ يلعقُ نفسَهُ، وريبتي قنديلٌ يخاف انطفاء الريح".