تقوم الروابط في المجتمعات العربية على الجماعة، وأبسط تعريف للجماعة (بحسب الدكتور إبراهيم عيسى عثمان: مقدمة في علم الاجتماع) هي تلك التي ترتكز "على وجود عدد من الأشخاص، تربطهم علاقات منتظمة، ومن خلال أدوار ومكانات، يشتركون في معايير وقيم، ينمو لديهم وعي بالذات، وقد يشتركون بأهداف معينة. وبهذا فالأسرة جماعة، وكذلك الصف الدراسي، بينما لا تعتبر مجموعات الشباب والأطفال والمستمعين جماعات، وإنما فئات اجتماعية".
ويتضمن المفهوم الاجتماعي للجماعة توفر عدة خصائص منها: وجود الاتصال والتفاعل، استمرار التفاعل من خلال الأدوار والمكانات التي تتشكل بالتفاعل المستمر والمتكرر، قيام المعايير والقيم المشتركة التي تشكل ثقافة الجماعة.
وبناء عليه فإن المجتمعات العربية تعتمد في تكوينها على الانتماءات التقليدية (الأسرة، القبيلة/العشيرة، الطائفة/الجماعة الدينية) أكثر من ارتكازها على مؤسسات وروابط "المجتمع المدني"، وعلى الرغم من وجود هذه المؤسسات وأهميتها إلا أنها غير حاضرة في الذهنية الشعبية العربية في كثير من الدول.
أما المجتمعات التي لديها تجربة ثرية في هذا المجال مثل مصر وتونس والمغرب فيختلط فيها الانتماء التقليدي بالانتماء المدني نظير ما تمثله الروابط الطبيعية (التقليدية) من حماية وأمان للمنتمين إليها، مثلما هو حاصل في بعض المجتمعات كالمجتمع اللبناني حيث نجد مؤسسات وروابط ذات تاريخ عريق إلا أنها لا تزال قائمة على التكوين العرقي أو الطائفي أكثر من الانتماء الفكري أو السياسي.
وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الكويتي على المستوى الخليجي من الوطن العربي، حيث تقوم العملية السياسية في الانتخابات البرلمانية على الانتماء العشائري والمذهبي وما شابههما من انتماءات، في ظل ضعف أثر الانتماءات الأخرى مهما كان فيها من تحالفات السياسية، فهي غير مؤثرة لأنها غير متأصلة بشكل عميق وغالباً ما تكون مؤقتة.
وتعتبر السنوات القادمة مفصلية بالنسبة للمجتمعات العربية التي تعيش فترة انفتاح على العالم فيها نماذج كثيرة من التواصل والاتصال الثقافي الدولي التي أتاحتها الحضارة الرقمية، ووفقاً لذلك يمكن أن تشهد العقود القادمة ظاهرة يمكن لي تسميتها بـ"الانقراض الثقافي" التي تعني محدودية التأثير لثقافة معينة وانحسارها في مناطق جغرافية معينة نظراً لعدم معايشتها لحتمية التطور والتغيير؛ والاعتماد على الانتماء التقليدي فقط من خلال الجماعات الإثنية والدينية دون تفعيل الروابط المدنية يمكن له أن يسهم في هذا الانحسار ومحدودية التأثير.
وهنا تبرز في العالم العربي أهمية نشوء القرارات المصيرية والمبادرات الكبرى التي تصب في المصلحة الاجتماعية، ومنها تأسيس أنظمة جديدة تكفل المبادئ الإنسانية الأساسية كالحرية والعدل والمساواة، وتلي مرحلة التأسيس مرحلة لا تقل أهمية وهي مرحلة نشر الأنظمة والتوعية بها في المجتمع، ليمكن للمجتمع أن يتحرك وفقاً للامتداد التاريخي محدثاً استجابة للمثيرات الحضارية.
وأولى بوادر الاستجابة هي مناقشة السلبيات في ثقافة المجتمع، ووضعها على طاولة النقد والتشريح والتفكيك من أجل إحداث قطيعة معرفية مع كل السلبيات التي تعيق تقدم المجتمع وتطوره ولا سيما في عالمٍ مفتوح أصبح لا يمنح الكثير من الفرص للارتقاء؛ ولذلك فإن استثمار الثقافة يبدأ من تفعيل الدراسات والبحوث الاجتماعية النظرية والميدانية التي يمكن لها أن تعطي مؤشرات على نقاط الضعف والقوة لأي مجتمع.
ومن ثم إتاحة الفرصة للمجتمع أن يجرب بنفسه الغوص في ميدان الثقافة بصرف النظر عن اختلافات وما تولّده من صراعات حادة فهي أمر طبيعي لا يمكن إغفال طبيعته في تفريغ المشكلات والسلبيات الاجتماعية الكامنة، وخلق قناعات جديدة يسودها التقبّل والإبداع في إنتاج وتعديل القيم الثقافية.
تهدف عملية التأهيل المجتمعي إلى إزالة التوحش وسلوكيات العنف من المجتمع وإبقائها في معدلاتها الطبيعية وفقاً لمنحنى التوزيع الطبيعي، غير أن عملية تأهيل المجتمعات لممارسة الحياة العامة تتطلب قناعات راسخة وقرارات سياسية تتم وفق خطة واضحة تنطلق على ضوء نتائج البحوث والدراسات الاجتماعية بإجراء التجارب السلوكية على عينات من المجتمع.
وبالتالي يكون المقصود من تأهيل المجتمع هو نقله من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أفضل وأرقى وأدعى إلى الاستمرارية والصمود أمام المؤثرات الثقافية العالمية، غير أن هذه العملية تحتاج إلى خطة طويلة المدى لا تقل عن عقد ونصف كي يمكن تطبيقها، وبذلك تخضع كل فئات المجتمعات إلى قبول المتغيرات الحضارية والثقافية والتماهي معها، بل يمكن لأفراد المجتمع الاندماج مع هذه المتغيرات وإعادة صياغتها لتكون بمثابة قيم جديدة متحررة من التأزم الذي تعانيه الثقافة ومن ذلك "الازدواجية الاجتماعية" التي هي عبارة عن مكبوتات تتنازعها الرغبة وتكبحها تقاليد المجتمع.