في رحاب جامعة الملك المؤسس، الجامعة الرمز، كان سلمان بن عبدالعزيز يتحدث وسط حضور من الطلاب والأكاديميين والمثقفين حول القضية التي تمثل أحد أبرز الملفات في الواقع السعودي، والعامل الأكثر حضورا في مختلف التحولات الاجتماعية والتنموية إنه: الاعتدال.

في الواقع إن الذين قرؤوا التاريخ واستوعبوه جيدا هم القادرون على تحديد ما يحتاجه الحاضر، ذلك أن التاريخ لا يحمل أحداثا فقط بل مجموعة من القيم التي تتحرك وفق التحولات بحسب المراحل وهو ما يعني أن كل عملية بناء وتنمية لا تضع في حسبانها تلك القيم فحسب، بل تضع في حسبانها تحولات تلك القيم وانتقالها في أذهان الناس واختلاف معاييرها حسب الأجيال، وتلك من أبرز النقاط التي يمكن ملاحظتها في محاضرة رجل التاريخ سلمان بن عبدالعزيز.

يقول الأمير سلمان: (الاعتدال ليس كلمة تقال، أو وصفا لموقف أو شعارا براقا يرفع، وإنما هو منهج شامل والتزام بمبدأ يحقق مصالح عامة تهدف إلى الخير والنماء). هذا توصيف لواقع الاعتدال وأهميته والمحيط الذي يتحرك فيه، لا كمصطلح فقط بل كأداة هي الأبرز والأهم في تحديد نتائج الرؤية المعتدلة ومخرجاتها على المستوى التنموي والاقتصادي وحتى الأمني، ذلك أن الاعتدال يتجسد في رؤية الدولة أكثر من رؤية الأفراد، وأهميته لدى الدولة أكثر من أهميته لدى الأفراد، لسبب يسير هو أنه لدى الدولة يتحول إلى مؤسسات هي التي تدير حياة الناس وتنظم لهم واقعهم وحقوقهم ومستقبلهم، بينما هو لدى الأفراد مسألة نسبية وحتى إن حدث تجاوز ما لها، فالقوانين والأنظمة المعتدلة كفيلة بالتعامل معه.

يسرد الأمير سلمان في محاضرته شواهد على تجسيد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - لثقافة الاعتدال، ومن كل تلك الشواهد يمكن الخروج بفكرة لابد من ذكرها، وهي أن الملك عبدالعزيز كان رجلا صاحب رؤية معتدلة في وسط ثقافة غير معتدلة. وهذا ليس انتقاصا من واقع ذلك المجتمع بل هو توصيف لوضعه الثقافي والاجتماعي في تلك الفترة، وحين اتخذ المؤسس من الاعتدال منهجا ورؤية استطاع أن يقدم للجميع واقعا يتصالح معهم جميعا ويتصالحون معه جميعهم، بل ويرون فيه الخيار الأمثل لهم ولبناء حياتهم والحفاظ على أمنهم ومستقبلهم، وكلنا ندرك كيف كانت الطبيعة الثقافية والاجتماعية لمجتمع الجزيرة العربية في مرحلة ما قبل الدولة، حيث تغيب الثقافة المدنية التي من أبرز ملامحها سمة الاعتدال وتحضر طبائع متأثرة بالواقع المعيشي القائم على النزاع المستمر بين جميع فئات المجتمع.

ليت الأمير سلمان بن عبدالعزيز خصص جزءا من محاضرته للبحث في السؤال التالي: لماذا كان الملك عبدالعزيز رجلا يحمل الاعتدال فكرة ورؤية ومنهجا؟

الجواب باختصار: لأنه رجل يؤسس دولة، ويدرك ما معنى الدولة الحديثة وكيف يجب أن تكون، وقلة من العظماء الذي عرفهم التاريخ هم من استطاعوا وأدركوا ماذا يعني بناء دولة حديثة، ذلك أن أولى سمات الدولة الحديثة أنها تصنع مظلة جديدة للانتماء، هي الوطن، ليصبح هو المشترك الواحد الذي يكون فوق كل الانتماءات الصغرى، ليعيش الناس وفق رابطة جديدة هي رابطة هذا الوطن الواحد، في الوقت الذي لا يقلل فيه ذلك من انتماءاتهم الصغرى بل يحولها إلى عنصر ثراء وقوة لأنها تمثل مناخا حقيقيا للتنوع، والتنوع هو أحد أبرز ملامح الدولة الحديثة. إذن لقد كان الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - رجلا مدنيا أدرك أن الاعتدال هو أبرز صفات المدنية، وأن المدنية والوحدة والاتجاه للانتماء الأكبر هو أبرز عوامل بناء الدولة الحديثة.

يقول الأمير سلمان: (كما اعتدل عبدالعزيز في مواقفه من بعض مواطنيه الذين ترددوا في قبول بعض التطورات الجديدة والمفيدة لهم، فواجههم بالصبر والحلم والحكمة والعقل).

هذه نقطة مهمة للغاية، فالدولة الحديثة دولة لجميع المواطنين: من يرفضون التطورات الحديثة ومن يطالبون بها، من تربوا تربية بداوة ومن تربوا في الحواضر، وغيرها من التنويعات الاجتماعية، ولأن الدولة الحديثة للجميع يصبح الاعتدال هو النموذج الأبرز للتعامل مع كل ذلك التنوع، دون الاستجابة لأحدها على حساب الآخر، ليجد الجميع بالفعل أن واقع الدولة الجديد يتسع لهم جميعا، لطموحاتهم ومخاوفهم وآمالهم.

كل هذه المعاني السامية حملها ولي العهد في محاضرته تلك، وحين تأتي هذه الرؤية من رجل بحجم ومكانة الأمير سلمان بن عبدالعزيز فهي تشير إلى أنه يمثل بالفعل الامتداد الحقيقي للمؤسس فكرا ورؤية، بل ويرى أن من واجبه أن يحمل تلك الرؤية إلى كل الوطن بأجياله الجديدة وتنوعاته.

لا يتوقف الأمير سلمان عند سرد أحداث وقصص من تاريخ المؤسس بل يتجاوز ذلك لاستنباط القيم والمعاني التي تحملها تلك الأحداث، وهذا هو التعامل الإيجابي والواعي مع التاريخ، الذي متى ما واصلنا قراءته على مستوى القيم والأفكار سنجد أننا جميعا نمثل امتدادا تاريخيا يجعلنا مسؤولين كلنا لتحقيق تلك الرؤية في حاضرنا ومستقبلنا.

إن الأمير سلمان هو المؤهل الأبرز ليقود معركة إعادة قراءة التاريخ السعودي قيمة ورؤية وفكرا.