لا أظن أن أحدا قد نسي عاصفة الغضب التي هبت تجاه الدكتور هاشم يماني وزير التجارة آنذاك عندما تهور خلال ارتفاعات سعر الرز، وقلة المعروض منه عالميا، وطلب خلالها من المواطنين التقليل من تناول الرز، واستبداله بغذاء آخر، لاحظ أنه لم يقل اتركوا الرز أو قاطعوه، ولكنه عرض أن لا يؤكل الرز يوميا خاصة مع توفر البدائل التي تمتلئ بها فترينات السوبر ماركت والأسواق المركزية، لكنه مع ذلك لم يسلم من هوجة غضب المدمنين من "أكلة الكبسة" والذين ساموه سوء التعليقات والتنديدات من خلال أعمدة الصحف أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن تحول اقتراح الرجل المهذب هاشم يماني إلى قضية رأي عام!
واستمرت المداولة بين أخذ ورد ورد وردح.. حتى أعفي الوزير، لأن الناس معظم الناس صوتت ضد بقائه، لكن لأن الدولة رعاها الله تعرف قدرات الدكتور هاشم يماني، فقد أعادته إلى جادة العمل في قطاع ليس له مساس بالجمهور بما يعني أن لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم. (بالمناسبة: الدولة لا تغفل رأي المجموع وقراءة ردود أفعالهم ورصد انطباعاتهم الساخطة والراضية بما يجعل الدولة تنزع إلى الإقالة والإعفاء كما حدث مرارا كنتيجة طبيعية لرصد آراء الناس في أداء الوزير ورضاهم عنه من عدمه).
ما علينا...
هذه المرة تتجه عاصفة التذمر نحو وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم الذي يبدو أنه لم يتعظ من تجربة الدكتور هاشم يماني، فقد تجرأ معاليه وساير المنطق ودعا المواطنين بعقلانية معتبرة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم إلى تغيير عاداتهم الغذائية وعدم جعل اللحم وجبة يومية رئيسية واللجوء إلى البدائل وتخفيف احتمالات ارتفاع الكوليسترول لدى الناس، ودعاهم في ظل ارتفاع أسعار اللحم المستورد إلى جعل القرار بأيديهم وعدم الرضوخ للتجار، أي أن الوزير يدعو الناس بنفس دعوة وزير التجارة الأسبق الدكتور هاشم يماني وهي بالمناسبة دعوة سابقة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي جاءه الناس يشتكون إليه غلاء سعر اللحم ويقولون له سعّره لنا يا عمر فقال لهم: أرخصوه أنتم فقالوا نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟! وهل نحن نملكه حتى نرخصه؟! فقال قولته الشهيرة: اتركوه لهم!
بما يعني أنهم لو تركوه لبخس ثمنه وبار سعره، ولركض التجار يعرضونه بالسعر الذي يرغبه المشتري، إنها مجرد نظرية العرض والطلب، وسياسة عمر الراشدة إنما تجسد نظرية اقتصاد السوق الذي يمنع تدخل الدولة، ويسعى إلى كسر الاحتكار عبر المقاطعة التي لم يعد يعرفها أكثر المواطنين ولنقل أنهم لا يريدون اللجوء إلى هكذا نظريات فلم يعد البذخ والرفاه الذي يتمتع به كثير من الناس يسمح لهم باللجوء لمثل هذه الأفكار التي هي أدوات ضغط صارمة ومنتجة لكن الناس سيطرت عليهم الفردانية والأنانية ولم يعد الإجماع على رأي واحد ممكنا.
لقد تكررت مثل هذه الحالات من غلاء الرز وغلاء الألبان وغلاء اللحوم أحمرها وأبيضها، بحيث صرنا نلاحظ هذه الظاهرة على نحو موسمي، لكن تذمر الناس يتجه غالبا لرفع الصوت والشتم واللطم والمناحة بما لا يقود إلى نتيجة فعالة. وأظن أنه لو كان لجمعيات النفع العام تأثيرها وفاعليتها لأمكن لنا إجبار التجار وقسرهم على كسر الاحتكار وتخفيض الأسعار وعدم رفعها كلما شاؤوا فلو علموا أننا سنقاطع كلما رفعوا لتغيرت مشيئتهم بحسب مشيئة المستهلكين، لكن أدوار جمعيات حماية المستهلكين لا زالت غير مؤثرة وغير فاعلة وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا فإنني أضم صوتي إلى صوت وزير الزراعة، مؤيدا ومعاضدا كما فعلتُ من قبل مع الدكتور هاشم يماني، وأود أن ألفت نظر معاليه أن تأييدي له لا يغني عنه من الناس شيئا هذا رغم أنني قررت أثناء دعوة الدكتور يماني مقاطعة الرز بمجرد انتهاء "قطمة" الرز التي تربض بمستودع البيت لكن الأزمة للأسف انفرجت قبل أن تنتهي "قطمتي"! وهكذا هذه المرة فإني أنوي مقاطعة كل أنواع اللحوم "الغنمي" و"المدجج"، بمجرد انتهاء حظيرة الدجاج المنتوف المنسدح إلى جوار الذبيحة في ثلاجة الفريزر شمال شرق مطبخنا المنزلي.
وسأعمد فور انتهاء هذا المخزون إلى تسجيل نفسي عضوا في جمعية النباتيين، والاصطبار على شهوة اللحم الأبيض منه والأسمر والسائر فيه والطائر.
وسأدعو الله أن يعلي في وطننا درجة الهم الجماعي، وتوسيع قاعدة الحس الوطني العريض الذي يجعل أكبر قدر من الناس على قلب رجل واحد، بحيث يشكلون ورقة ضغط وقوة تأثير "lobby" لا يستهان بها، وحينها سيكون صوت التاجر هو الأدنى والأضعف، وسيكون رأي الناس وتأثير الشارع وقوة الإجماع هي الأولى، والأسرع والأقوى تأثيرا.
وحينها لن نحمل الوزير – أي وزير – وزر قرار هو بيدنا وليس بيده ولا بيد التاجر.