تحدثنا كثيرا عن الأدوار المهمة التي من المفترض أن يؤديها كل من ديوان المراقبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وكذلك هيئة الرقابة والتحقيق في عملية الإصلاح الإداري والمالي ومكافحة الفساد، وقد أغفلنا في الوقت ذاته، أهمية الرقابة (السابقة) التي تضطلع بمسؤوليتها وزارة المالية.

ربما يكون السبب في هذا الإهمال هو عدم وضوح هذه النوعية من الرقابة أو أنها قد أصبحت مجرد إجراءات روتينية تتطلبها الأنظمة والتعليمات المالية، أو ربما ترك الأمر على كاهل ديوان المراقبة، فإذا كانت المصروفات المالية لأي جهة حكومية لا تتم إلا بموافقة واعتماد المراقب المالي، فكيف نفسّر وجود المخالفات وحالات التزوير والاختلاس وكذلك إهدار المال العام والتي تكتشف فيما بعد من خلال الرقابة اللاحقة، وما هي مسؤولية وزارة المالية تجاه هذه المخالفات لكونها مسؤولة عن الرقابة المسبقة؟.

لنأخذ على سبيل المثال: قضية وزارة الشؤون الاجتماعية والمتمثلة في استئجار مبنى دون تشغيله وعدم الاستفادة منه، وقد بلغت المدفوعات المالية أكثر من (6) ملايين ريال حسب ما صرّحت به الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ففي مثل هذه الحالة نجد أن مصاريف الإيجار تم دفعها باعتماد المراقب المالي وتوقيعه على مستند الصرف، وبالتالي يمكن القول أن مثل هذه المصاريف تمت إجازتها من قبل وزارة المالية، فهل الوزارة مسؤولة عن هذا الهدر المالي لكونها حكمت على صحة الصرف من الناحية النظامية؟ تجدر الإشارة هنا إلى أنه من الممكن اتخاذ قرار الصرف من قبل الوزير المختص دون موافقة المراقب المالي أو امتناعه عن التوقيع، ولكن مع ضرورة إخطار كل من وزارة المالية وديوان المراقبة بذلك، وهذا يندر حصوله.

وعليه قد تكون الإجابة على السؤال السابق بالنفي، بسبب أن دور المراقب المالي يتمثل في التدقيق المستندي للصرف، فهو يتأكد من نظامية الصرف من حيث المسوغات واعتماد أصحاب الصلاحية، الذين هم في الأساس المسؤولون عن ما يترتب على قراراتهم المالية والإدارية، وبالتالي فإن المراقب تكون مسؤوليته مسؤولية ورقية مستندية فهو لا يعلم ما يحصل في واقع الميدان والتنفيذ.

حتى نفهم واقع ومشاكل الرقابة السابقة، لا بد في البداية أن نوضح هذا المفهوم وتاريخ هذا النوع من الرقابة في المملكة، ومن ثم نناقش مسؤوليات وزارة المالية تجاهها، والمشاكل التي تصاحبها على أرض الواقع.

في أدبيات المراجعة الحكومية تعرّف الرقابة السابقة على أنها: "الرقابة القادرة على منع أية مخالفات أو أضرار قبل حدوثها، فضلا عما تصدره تلك الرقابة من توصيات وتوجيهات تصحح مسار الجهات الخاضعة للرقابة لدى ممارسة صلاحياتها في استخدام الأموال العامة".

ومن التعريف السابق، نلاحظ أن الرقابة المسبقة هدفها وقائي في الدرجة الأولى لمنع حدوث المخالفات والتجاوزات، وهذا التعريف قد لا ينطبق مع مهام المراقب المالي في وزارة المالية، والذي يحرص على الناحية الشكلية للعمليات المالية على أرض الواقع.

وكما أن الرقابة السابقة دورها وقائي، فإن الرقابة اللاحقة التي يختص بها ديوان المراقبة العامة تهتم باكتشاف الخطأ عند وقوعه، وفي عام 1377هـ كان ديوان المراقبة يمارس الرقابة السابقة واللاحقة معا بعدما كانت تمارسها وزارة المالية، إلى أن صدر قرار مجلس الوزراء رقم 471 وتاريخ 20/ 9/ 1380هـ بشأن اعتماد نظام الممثلين الماليين، وقد نصت المادة الثانية منه على إلحاق الممثلين الماليين بوزارة المالية مرة أخرى.

ونتيجة لهذا التداخل بين ديوان المراقبة ووزارة المالية في ممارسة الرقابة السابقة أصبحت هناك ازدواجية في عملية الرقابة بنوعيها، بمعنى أن الديوان أصبح يمارس الرقابة اللاحقة بنفس آليات الرقابة المسبقة التي كان يمارسها في الماضي، ناهيك عن وجود تضارب في المصالح بين الديوان ووزارة المالية، ورغم الجهود المبذولة لتطوير آليات الرقابة إلا إنها ما زالت تعود إلى نفس المشكلة وهي الرقابة المستندية سواء كانت سابقة أو لاحقة.

اقترح أحد الباحثين أن يتم دمج الرقابة بشقيها السابقة واللاحقة في ديوان المراقبة وأن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 1380هـ، وذلك توفيرا للجهود والتفرغ للرقابة اللاحقة من قبل الديوان، ورغم منطقية هذا المقترح وخاصةً أن بعض الدول لها تجارب جيدة في هذا المجال، فقد وفرت مبالغ بالمليارات وأوقفت صفقات حكومية مشبوهة قبل إبرامها من خلال الرقابة السابقة.

ولكن ما يؤخذ على هذا المقترح أنه قد يضعف من استقلالية الديوان لأنه في حال اكتشاف مخالفة جوهرية في الرقابة اللاحقة قد يغض الطرف عنها لأنها لم تكتشف من خلال الرقابة المسبقة، كما أن الديوان سوف ينشغل بهذه الرقابة في وضعه الحالي.

وقد يعترض معترض على هذا الكلام ويقول: "من الممكن أن الديوان يغض الطرف على بعض المخالفات في وضعه الحالي وذلك لأن ميزانيته لا تعتمد إلا من وزارة المالية، ناهيك عن أن منظومة الرقابة والمحاسبة لم تكتمل في الأنظمة الحكومية، لذا فما المانع أن توحد الرؤية إلى العمل الرقابي، ومتابعة العمليات المالية منذ نشوئها حتى انتهائها، مما يمكن من إعطاء تقويم موضوعي شامل من قبل الديوان".

ولو سلمنا جدلا بالصحة المطلقة للفرضية أو القول السابق، فأعتقد أن الوضع لن يتغير، لأن المشكلة الرئيسية للرقابة في رأيي تتعلق بمنهجية وآليات الرقابة نفسها، لذا من الضروري أن تتم إعادة النظر في الرقابة المسبقة من حيث آليات تطبيقها وتحديد مسؤولية وزارة المالية بوضوح أكثر تجاهها، وخاصةً أن هناك اتجاها لتطبيق أسلوب الإدارة اللامركزية في المملكة، حينها يستطيع الديوان أن يتخلى عن أسلوب الرقابة المسبقة ويتحول إلى الرقابة اللاحقة المهنية، فإن لم تستطع وزارة المالية القيام بذلك، فإن دمج الرقابتين معا في الديوان قد يكون أفضل وأجدى.